على مدى أربعة أيام متتالية، واصلت السلطات المغربية منع المظاهرات الشبابية التي خرجت من رحم جيل “زد”، ذلك الجيل الذي تمرّد على الصمت وقرر أن يرفع صوته ضد تدهور التعليم والصحة واستشراء الفساد. وبينما نزل آلاف الشبان إلى شوارع طنجة وتطوان وبني ملال وإنزكان، رافعين شعارات التغيير والعدالة الاجتماعية، ردّت أجهزة الأمن بالقمع والحصار، لتتحول بعض المسيرات إلى مواجهات بالحجارة والعصي، كاشفةً عن أزمة عميقة بين الدولة وشبابها.

في المقابل، حاولت الحكومة احتواء الغضب الشعبي عبر إصدار بيانات سياسية مطمئنة تتحدث عن “الإنصات” و”الحوار”، لكنها لم تستطع إخفاء حقيقة أن المقاربة الأمنية هي السائدة، وأن ملك المغرب محمد السادس وحكومته يواجهون اليوم موجة غير مسبوقة من التحدي الشعبي تقودها فئة عمرية لم تعد تؤمن بالوعود المؤجلة.

غضب متصاعد في الشارع المغربي

بدأت شرارة الاحتجاجات قبل أيام بدعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت وسوم تحثّ على النزول للشارع رفضاً لتردي التعليم العمومي وغياب البنية الصحية الكفيلة بإنقاذ الأرواح، إضافة إلى فضح ملفات الفساد التي تحاصر الاقتصاد المغربي منذ سنوات.

سرعان ما تحولت هذه الدعوات إلى حركة واسعة قادتها مجموعات شبابية، خصوصاً من جيل التسعينيات وبداية الألفية، الذين يطلق عليهم “جيل زد”، لتكتسب زخماً في مدن مختلفة.

شهادات ميدانية ومقاطع فيديو وثّقت ما جرى في إنزكان وبني ملال، حيث اندلعت مواجهات بين شباب غاضبين وقوات الأمن التي لجأت إلى إغلاق الساحات الرئيسية ومنع المسيرات. الحجارة التي تبادلها المحتجون مع عناصر الأمن بدت تعبيراً رمزياً عن انسداد أفق الحوار وغياب الثقة بين الطرفين.

هذا المشهد عكس صورة مأزق متصاعد، حيث لم يعد بالإمكان اختزال الغضب في مجرد “مراهقة سياسية” كما حاول بعض الإعلام الرسمي تصويره، بل باتت الأزمة تحمل ملامح حراك اجتماعي أوسع قد يعيد إلى الأذهان مشاهد “20 فبراير” عام 2011.

الحكومة بين خطاب التهدئة وممارسة القمع

الحكومة المغربية، المكوّنة من ثلاثة أحزاب رئيسية: التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال، سارعت إلى إصدار بيانات تؤكد “تفهمها” للمطالب و”استعدادها للتجاوب” معها. وأشارت إلى أن إصلاح التعليم والصحة ومكافحة الفساد هي بالفعل ضمن أولوياتها.

غير أن هذه التصريحات لم تنجح في امتصاص غضب الشارع. فالشباب يحمّلون الدولة مسؤولية مباشرة عن تدهور المنظومتين الصحية والتعليمية على مدى عقود، ويعتبرون أن الحديث عن برامج “إصلاحية طويلة الأمد” ليس سوى محاولة للتسويف.

بيان الحكومة بدا مرتبكاً وهو يشيد في الوقت نفسه بـ”التفاعل المتوازن” للأجهزة الأمنية، بينما كانت الصور القادمة من المدن تكشف عن قمع وحصار واعتقالات. وهذا التناقض جعل الخطاب الرسمي مكشوفاً أمام الرأي العام، الذي يرى أن السلطة السياسية في المغرب، بقيادة الملك، ما زالت تفضّل الحل الأمني على الإصلاح الجذري.

ملك يتهرب من مواجهة الأزمة

ورغم خطورة الموقف، لم يخرج الملك محمد السادس بخطاب مباشر يواجه فيه المطالب الشبابية. غياب رأس الدولة عن المشهد بدا مقصوداً، إذ تُركت الحكومة وحدها في مواجهة الغضب الشعبي، رغم أن صلاحياتها مقيدة بوجود نظام ملكي مركزي يمسك بكل مفاصل القرار.

هذا الغياب زاد من حدة الانتقادات التي ترى أن المؤسسة الملكية تمارس سياسة الهروب إلى الأمام، وتترك حكومة شكلية لتتحمل وزر الفشل. وهو ما جعل العديد من الأصوات على مواقع التواصل الاجتماعي تتهم النظام المغربي بممارسة “القمع الملكي” عبر أجهزته الأمنية، مع ترك واجهة حزبية للتصريحات المهدئة.

اللافت أن الحراك الشبابي ركّز على ملفات ملموسة تمس حياة المواطن اليومية مثل التعليم والصحة والفساد، وهي قضايا لا يمكن مواجهتها بالخطابات أو البيانات، بل تحتاج إلى إصلاحات جذرية تُعيد الثقة بين المواطن والدولة.

مآلات مفتوحة بين التصعيد والاحتواء

الوضع الراهن في المغرب يكشف عن مفترق طرق: فإما أن تواصل السلطات المقاربة الأمنية، وهو ما سيؤدي إلى اتساع رقعة الغضب وتحوّل الاحتجاجات إلى حركة وطنية أوسع، وإما أن تنفتح على حوار جدي وشفاف يعترف بمسؤولية الدولة عن الأزمات المتراكمة.

لكن المؤشرات الحالية لا تدعو إلى التفاؤل، فالقمع المستمر لليوم الرابع على التوالي يبعث رسالة مفادها أن النظام المغربي لم يستوعب بعد أن الشباب هم المحرك الأساسي لأي تغيير سياسي واجتماعي. تجاهل أصواتهم يعني عملياً تراكم الاحتقان وانفجار الأوضاع في المستقبل القريب.

الحكومة، التي تحاول الترويج لبرامج إصلاحية طويلة الأمد، ستبقى عاجزة عن إقناع الناس بجدواها إذا لم تُترجم سريعاً إلى إجراءات ملموسة تعيد الاعتبار للتعليم العمومي وتوفر الحد الأدنى من الرعاية الصحية الكريمة. أما محاربة الفساد، فهي المطلب الأكثر إلحاحاً، إذ يعتبره المحتجون العائق الأكبر أمام أي إصلاح حقيقي.

خلاصة

ما يجري في المغرب اليوم ليس مجرد احتجاجات معزولة، بل هو تعبير عن أزمة ثقة عميقة بين جيل جديد يرى المستقبل مسدوداً وبين نظام ملكي يصرّ على ضبط الشارع بالقوة. استمرار القمع لن يؤدي إلا إلى تأجيل المواجهة الكبرى، أما الانفتاح على حوار حقيقي فيتطلب إرادة سياسية غائبة حتى الآن.

إن رسائل الشباب واضحة: تعليم يليق بالمغاربة، صحة تحمي كرامتهم، ودولة خالية من الفساد. أما رسائل السلطة، فما زالت حبيسة لغة البيانات والوعود، في وقت يزداد فيه غضب الشارع، لتبقى كل السيناريوهات مفتوحة بين انفجار شعبي واسع أو إصلاح متأخر قد لا يغيّر كثيراً من الواقع.

اقرأ أيضًا : أمن الدولة الأردني يحيل ملفات الإخوان إلى النائب العام: أموال مشبوهة أم تصفية حسابات سياسية؟