خرج عشرات المتظاهرين في العاصمة المغربية الرباط السبت الماضي في مشهد نادر يعكس تصاعد الغضب الشعبي ضد القمع المتزايد الذي يواجهه النشطاء الشباب في البلاد.
رفع المحتجون شعارات تطالب بالإفراج عن المعتقلين الذين تم توقيفهم خلال احتجاجات نظمتها حركة “جيل زد 212″، التي باتت تمثل صوت الجيل المغربي الجديد المطالب بالتغيير، في وقت تلتزم فيه السلطات الرسمية بسياسة الصمت والتجاهل.
“أيها المعتقلون، إبقوا أقوياء، سنواصل النضال”، هكذا هتف المحتجون في قلب الرباط متحدّين التهديدات والمضايقات الأمنية. ورغم أن خطاب الملك محمد السادس الأخير لم يأتِ على ذكر الحركة، إلا أن دعوته لتحسين التعليم والرعاية الصحية وُصفت بأنها محاولة لامتصاص الغضب، لا أكثر، بعد أن تحوّلت مطالب “جيل زد” إلى موجة اجتماعية يصعب احتواؤها.
الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أكدت أن نحو 600 شخص، بينهم قاصرون، ما زالوا رهن الاعتقال بتهم تتعلق بالانضمام إلى الحركة أو المشاركة في مظاهراتها، في مؤشر على اتساع دائرة القمع. وتأتي هذه الاعتقالات في ظل تصاعد الدعوات للإفراج عن المحتجزين ووقف الملاحقات التي طالت مئات من الشباب الذين خرجوا للمطالبة بإصلاح التعليم والصحة، وهما قطاعان يرزحان تحت أعباء الفساد وضعف الكفاءة منذ سنوات طويلة.

أحكام قاسية ورسائل ترهيب
السلطات المغربية لم تكتفِ بالاعتقالات، بل مضت نحو إصدار أحكام وصفتها المنظمات الحقوقية بـ”الانتقامية”، إذ أصدرت محكمة في أكادير أحكامًا بالسجن تتراوح بين 3 و15 عامًا على 17 متهمًا شاركوا في احتجاجات أكتوبر، متهمة إياهم بـ”إضرام النار” و”تخريب الممتلكات العامة” و”العنف ضد رجال الأمن”.
هذه الأحكام جاءت عقب موجة تظاهرات دعت إليها حركة “جيل زد 212” في بلدة آيت عميرة قرب أكادير، للمطالبة بتحسين الخدمات الأساسية. وقد تحوّلت بعض تلك الاحتجاجات إلى مواجهات عنيفة أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة نحو 300، معظمهم من قوات الأمن، بحسب رواية السلطات.
لكنّ الناشطين يؤكدون أن القمع الأمني العنيف هو الذي فجر المواجهات، وأن النظام المغربي يحاول من خلال هذه المحاكمات توجيه رسالة ترهيب إلى الجيل الجديد، الذي يستخدم وسائل التواصل الحديثة مثل “ديسكورد” و”تيك توك” و”إكس” للتنظيم والتعبئة بعيدًا عن الأحزاب التقليدية.
منظمة “هيومن رايتس ووتش” وثّقت اعتقال 270 متظاهرا على الأقل، بينهم 39 قاصرًا، دون توضيح ما إذا كانوا شاركوا في احتجاجات سلمية أم تمت ملاحقتهم لاحقًا، وهو ما يعكس غياب الشفافية في تعامل القضاء المغربي مع هذه القضايا. وتؤكد تقارير حقوقية أن العديد من المعتقلين تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة خلال التحقيقات، ما يثير القلق بشأن مدى التزام المغرب بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
“جيل زد 212”.. حراك رقمي يتحول إلى حركة شعبية
انطلقت شرارة “جيل زد 212” منتصف سبتمبر الماضي عبر تطبيق “ديسكورد”، حين بدأ شباب مغاربة يناقشون واقع التعليم والصحة بعد وفاة ثماني نساء حوامل في مستشفى عمومي بأكادير، في حادثة صدمت الرأي العام وكشفت انهيار المنظومة الصحية. سرعان ما تحولت النقاشات الرقمية إلى تحركات ميدانية مطالبة بالكرامة والعدالة الاجتماعية، لتصبح الحركة رمزًا لاحتجاجات يقودها الجيل الجديد بعيدًا عن الأطر السياسية التقليدية.
الحركة لا ترفع شعارات سياسية ضد الملك بشكل مباشر، لكنها تتحدى بصورة غير مسبوقة النموذج السلطوي الذي يمسك فيه القصر بكل مفاصل الدولة. فمطالبها في ظاهرها اجتماعية، لكنها في جوهرها تسائل فشل السياسات العامة التي يشرف عليها النظام الملكي نفسه، وهو ما جعل السلطات تتعامل معها باعتبارها “تهديدًا للأمن العام” أكثر من كونها احتجاجات اجتماعية.
وتكشف هذه الديناميكية الجديدة عن تحول جذري في وعي الشباب المغربي؛ فجيل ما بعد 2011 لم يعد يثق في الأحزاب، ولا في وعود التنمية الملكية، بل يعتمد على فضاءات رقمية لتبادل الأفكار وبناء سرديته الخاصة، وهي سردية تقوم على المواطنة الفاعلة والمساءلة والمقاومة السلمية.
ملك محاصر بغضب الجيل الجديد
خطاب الملك محمد السادس الأخير، الذي دعا فيه إلى “تحسين التعليم والرعاية الصحية”، اعتبره مراقبون محاولة لتخفيف حدة الانتقادات دون معالجة جذورها. فالملك، الذي يحتكر السلطة السياسية والاقتصادية، يجد نفسه اليوم أمام جيل لا يخاف من كسر المحظورات ويتحدث بجرأة غير مسبوقة عن الفساد والظلم الاجتماعي.
وبحسب أرقام رسمية، فإن سبع ولايات من أصل اثنتي عشرة في المغرب سجلت معدلات نمو أدنى من المعدل الوطني البالغ 3.7% عام 2023، ما يعكس التفاوت الطبقي الحاد وغياب العدالة في توزيع الثروة.
هذا الواقع الاقتصادي والاجتماعي الهش، مقرونًا بسياسة تكميم الأفواه، يجعل من الحراك الشبابي الحالي أخطر تحدٍ يواجه النظام المغربي منذ حراك الريف عام 2016. فبينما يحرص القصر على تقديم صورة حداثية في الخارج، تتزايد داخليًا مؤشرات الانغلاق السلطوي وتآكل الثقة، خصوصًا بين الجيل الذي وُلد بعد “الربيع العربي” ويرى أن وعود الإصلاح كانت مجرد شعارات.
خاتمة: شرارة الغضب لم تنطفئ
رغم القبضة الأمنية والأحكام القاسية، فإن احتجاجات “جيل زد 212” كشفت أن جيل ما بعد الإنترنت أصبح القوة السياسية الصاعدة في المغرب. هو جيل وُلد في ظل اللامساواة، لكنه يمتلك أدوات جديدة للمقاومة والتعبير.
تتحرك السلطة اليوم لقمعه بكل الوسائل، لكنّ الأصوات التي خرجت في شوارع الرباط السبت الماضي كانت تقول بوضوح: “لن نسكت بعد اليوم”.
وبينما يراهن القصر على الترهيب، يراهن الجيل الجديد على الوعي الرقمي، مما يجعل الصدام بين الطرفين مسألة وقت، وليس احتمالًا بعيدًا.
اقرأ أيضًا : الأمم المتحدة: جرائم الاحتلال حوّلت غزة إلى أطلال.. “دمار لا يستوعبه عقل” وخانيونس شاهدة على الإبادة