في خطوة جديدة تؤكد أن المملكة تعيش مرحلة غير مسبوقة من القمع وترهيب المجتمع، أقدمت السلطات السعودية مؤخرًا على اعتقال عدد من المشاهير وصنّاع المحتوى، بتهمة “تأجيج الرأي العام” و“إثارة الفوضى”. ورغم أن التهم تبدو فضفاضة ومطاطة، فإن الرسالة كانت واضحة: محمد بن سلمان لا يريد أي صوت خارج السرب، ولا يسمح بوجود أي شخصية تمتلك تأثيرًا جماهيريًا خارج منظومة الطاعة الكاملة.
هذا التحرك الأمني يعكس التحول العنيف الذي يعيشه الداخل السعودي منذ صعود ولي العهد، حيث أصبحت الرقابة، العقاب، وتكميم الأفواه أدوات يومية للحكم. ومع كل حملة اعتقالات جديدة، يتضح أن النظام يسعى إلى سحق أي مساحة للتعبير الحر، مهما كانت بسيطة أو غير سياسية.
اعتقالات بلا ضوابط.. أسماء بارزة تُقاد إلى النيابة
السلطات أعلنت عن إحالة ستة أشخاص إلى النيابة، بينهم ثلاثة مشاهير معروفين بين السعوديين، وهم فلاح المسردي، فهد الرويس، وسلطان العطوي. هؤلاء ليسوا معارضين سياسيين بالمعنى التقليدي، ولا ينتمون إلى تيار فكري منظم، بل مجرد مؤثرين يمارسون نشاطًا رقميًا عاديًا.
ورغم ذلك، وُجهت لهم تهم خطيرة من بينها “نشر محتوى يؤثر على الأمن الاجتماعي” و“محاولة إثارة الرأي العام”، وهي تهم تستخدمها السلطات كأداة جاهزة لإسكات أي شخص يخرج عن الخط المرسوم.
طريقة الإعلان عن هذه الاعتقالات بدت وكأنها رسالة مزدوجة: الأولى، تحذير لكل مؤثر وصانع محتوى من الحديث في أي موضوع حساس؛ والثانية، تأكيد أن النيابة وأجهزة الأمن تُسخّر بالكامل لخدمة مزاج السلطة وليس القانون.
مناخ الخوف.. كيف يقتل النظام كل مساحات التعبير؟
خلال السنوات الأخيرة، أصبح المشهد السعودي ينزلق نحو نموذج شديد القسوة يقوم على:
- تجريم الرأي مهما كان بسيطًا.
- ملاحقة المؤثرين لأن لديهم جمهورًا، حتى لو كانوا غير مسيّسين.
- اعتقالات استباقية بلا محاكمات عادلة ولا معلومات واضحة.
- تضخيم التهم وربطها بالأمن القومي لتبرير العنف القانوني.
لم يعد النظام يكتفي باعتقال الناشطين أو المعارضين التقليديين، بل توسع ليشمل حتى من ينشرون فيديوهات ترفيهية أو آراء اجتماعية. أي محتوى قد يسبب نقاشًا عامًا — حتى لو كان في إطار طبيعي — يتم التعامل معه كمؤامرة أو تهديد أمني.
هذا التحول يعكس رغبة بن سلمان في إحكام السيطرة على كل أشكال الخطاب العام، بحيث يصبح المجتمع كله متحدثًا بصوت الدولة فقط، دون مساحة لانتقاد، أو اختلاف، أو حتى مزاح خارج الحدود المرسومة.
بن سلمان.. مشروع تحديث بقبضة ديكتاتورية
رغم أن النظام يروج لمشاريع اجتماعية واقتصادية ضخمة تحت مظلة “الانفتاح”، إلا أن الجانب المظلم لهذا المشهد يتكشف يومًا بعد يوم. فالتحديث الذي يُقدَّم للمجتمع ليس تحديثًا سياسيًا أو انفتاحًا حقيقيًا، بل عملية تغيير اجتماعي فوقي تقودها الدولة بيد أمنية صارمة.
ما يحدث الآن يوضح أن ولي العهد يريد خلق مجتمع صامت، محدود الخيارات، منفصل عن السياسة، وخائف من التعبير. فالمطلوب هو شعب ينشغل بالمهرجانات والرياضات والمشهد الترفيهي، بينما يتم سحق المجال العام وخنق أي إمكانية للاحتجاج أو المعارضة.
القمع إذن ليس حادثًا عابرًا، بل جزءًا أصيلًا من “النظام الجديد” الذي يبنيه بن سلمان — نظام لا يسمح فيه بوجود أي شخصية مؤثرة خارج نطاق السيطرة.
لماذا المشاهير تحديدًا؟
على الرغم من أن المشاهير ليسوا فاعلين سياسيين، إلا أن لديهم جمهورًا واسعًا وقدرة على تشكيل المزاج العام، خصوصًا لدى الشباب. وهذا ما يخشاه النظام.
أي شخصية تمتلك ملايين المتابعين يمكن أن تتحول إلى مصدر تهديد بمجرد أن تعلّق على موضوع حساس، أو تنشر فيديو يُفسَّر من قبل السلطة على أنه انتقاد، أو حتى يظهر عليه الغضب من وضع اقتصادي أو اجتماعي.
لذلك، كانت الضربة الأخيرة موجهة بشكل مباشر نحو هذه الفئة، لتقول لهم بوضوح:
الشهرة في السعودية ليست قوة، بل قد تتحول إلى سلاح ضدك في أي لحظة.
تأثيرات أوسع: مجتمع مشلول وإعلام مهزوم
هذه الحملة تضع السعودية على مسار مقلق للغاية، حيث تتحول دولة كاملة إلى كيان قائم على:
- خوف جماعي من التعبير.
- رقابة مكثفة على المنصات الرقمية.
- غياب تام للصحافة المستقلة.
- قضاء مسيّس بالكامل.
ومع كل اعتقال جديد، تتعمق فكرة أن لا أحد آمن. وهذا يُنتج مجتمعًا مترهلًا سياسيًا، فاقدًا للثقة، ومفصولًا عن المشاركة العامة.
كما يُجبر المشاهير والمؤثرين على الالتزام بخطاب رسمي خالٍ من أي نقد، مما يلغي دورهم المجتمعـي ويجعل حضورهم مجرد ديكور دعائي للسلطة.
خلاصة: دولة تُكمّم الجميع.. وصوت واحد فقط مسموح
اعتقال المشاهير بتهمة “تأجيج الرأي العام” ليس إلا حلقة إضافية في سلسلة طويلة من القمع المستمر. فمحمد بن سلمان يسعى بوضوح إلى بناء دولة يتحكم فيها بكل شيء: السياسة، الاقتصاد، الدين، الفن، الإعلام، وحتى ما يتداوله الناس على هواتفهم.
المشهد السعودي اليوم يُظهر أن السلطة لا تقمع فقط المعارضين التقليديين، بل تسعى إلى سحق أي قدرة للمجتمع على أن يتنفس أو يناقش أو ينتقد. إنها مرحلة جديدة من الحكم الاستبدادي، يختفي فيها الفضاء العام تمامًا ويصبح المواطن مجرد متلقٍ صامت — لا صوت له، ولا رأي، ولا حصانة من بطش السلطة.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يواصل إجرامه في الفارعة وجنين.. وصمت عباس يفتح شهية العدوان