كشفت القناة 12 العبرية، في تقرير تحليلي، عن ما وصفته بـ“العودة غير المباشرة” للسلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، رغم الخطاب الإسرائيلي الرسمي الذي يكرر رفض أي وجود للسلطة في القطاع بعد الحرب. ووفق القناة، فإن هذه العودة لا تأتي عبر بوابة سياسية أو أمنية واضحة، بل من خلال مسار فني–مدني يتمثل في تشكيل لجنة تكنوقراط تتولى ملف إعادة الإعمار والإدارة المدنية، بما يسمح –عمليًا– بإعادة موطئ قدم للسلطة الفلسطينية في غزة دون إعلان صريح.

لجنة تكنوقراط… غطاء مدني لدور سياسي
تقول القناة إن الخطاب السائد حول “إعادة الإعمار” و“الإدارة المدنية” يخفي واقعًا أكثر تعقيدًا، إذ إن لجنة التكنوقراط الفلسطينية التي عقدت اجتماعها الأول في القاهرة تمثل، بحسب القراءة الإسرائيلية، آلية ناعمة لعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع. فهذه اللجنة، رغم تقديمها كهيئة مهنية غير سياسية، تضم شخصيات ارتبطت تاريخيًا بالسلطة الفلسطينية وشغلت مواقع مركزية في مؤسساتها، ما يجعلها أقرب إلى امتداد إداري للسلطة منها إلى كيان مستقل.
حماس والترحيب المحسوب
بحسب القناة، فإن حركة حركة حماس رحبت بتشكيل اللجنة، لكنها فعلت ذلك من زاوية براغماتية. فاللجنة، وفق التقرير، لا تشكل تهديدًا لسيطرة حماس الأمنية أو العسكرية، بل تتحمل عبء إعادة الإعمار، وإدارة التمويل، والتعامل مع المجتمع الدولي، بينما تبقى السلطة الفعلية في القطاع بيد الحركة. وتزعم القناة أن هذا الترتيب يخدم الطرفين: السلطة تعود إداريًا، وحماس تحافظ على سيطرتها دون تحمل كلفة إعادة البناء.
لا نزع سلاح… ولا “اليوم التالي”
أحد أبرز ما توقفت عنده القناة هو أن ملف نزع سلاح حماس غائب تمامًا عن جدول أعمال لجنة التكنوقراط. واعتبرت أن الحديث الإسرائيلي المتكرر عن “اليوم التالي” في غزة يتناقض مع الوقائع على الأرض، حيث لم تُطرح مسألة السلاح أصلًا، وبقيت القوة العسكرية لحماس خارج أي نقاش. وترى القناة أن هذا التجاهل يعكس قبولًا ضمنيًا باستمرار الواقع الأمني القائم، مقابل ترتيب مدني–اقتصادي جديد.
علي شعث… الواجهة الفنية
وأشارت القناة إلى أن رئاسة لجنة التكنوقراط يتولاها علي شعث، وهو شخصية ذات خلفية تقنية وإدارية، شغل مناصب متعددة في مؤسسات السلطة الفلسطينية، بينها وزارات وهيئات تخطيطية. ووفق التقرير، فإن اختيار شعث يعزز الطابع “المهني” للجنة، لكنه في الوقت ذاته يؤكد ارتباطها العضوي بالسلطة الفلسطينية، ما يدعم فرضية “العودة عبر الباب الخلفي”.
الدور الأمريكي وفصل المسارات
ربطت القناة بين تشكيل اللجنة وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. واعتبرت أن المقاربة الأمريكية تقوم على فصل المسار السياسي–الأمني عن المسار المدني–الاقتصادي، بما يسمح بإطلاق عملية إعادة الإعمار حتى في ظل ملفات عالقة، مثل قضية الأسرى. ووفق هذا المنطق، تستطيع حماس القبول بإعادة الإعمار دون تقديم تنازلات أمنية، بينما تحصل السلطة الفلسطينية على دور إداري معترف به دوليًا.
نتنياهو والخطاب المتناقض
رغم التصريحات المتكررة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن السلطة الفلسطينية “لن تعود إلى غزة”، ترى القناة أن مشاركتها باتت واقعًا ملموسًا. فغالبية أعضاء اللجنة الفنية، بحسب التقرير، ينتمون إلى مؤسسات السلطة، وشغل بعضهم مواقع مدنية وأمنية رفيعة سابقًا، ما يجعل نفي عودة السلطة أقرب إلى خطاب سياسي للاستهلاك الداخلي.
نموذج حزب الله… السيناريو المقلق
في ختام تحليلها، تزعم القناة أن حماس تسعى إلى تطبيق نموذج شبيه بتجربة حزب الله في لبنان، عبر الفصل بين الذراع العسكرية والواجهة المدنية. فبينما تُسند مهام الإدارة وإعادة التأهيل إلى هيئة مدنية ذات طابع تكنوقراطي، تحتفظ الحركة بالسيطرة الأمنية والعسكرية الكاملة. وترى القناة أن هذا النموذج يمنح حماس شرعية غير مباشرة، ويصعّب على إسرائيل فرض شروطها الأمنية.
قراءة مضادة: احتلال بواجهة تكنوقراط
وفي مقابل السردية الإسرائيلية، يبرز واقع آخر لا تتطرق إليه القناة بعمق، وهو أن الاحتلال نفسه يسعى إلى إدارة غزة عبر أدوات غير مباشرة، مستخدمًا واجهات مدنية وتكنوقراطية لتكريس السيطرة دون تحمّل مسؤوليات قانونية وسياسية مباشرة. فحكومة التكنوقراط، في هذا السياق، قد لا تكون مجرد عودة للسلطة الفلسطينية، بل جزءًا من هندسة أوسع لإدارة قطاع محاصر، تُدار شؤونه مدنيًا، بينما تبقى مفاتيح الأرض والحدود والسماء بيد الاحتلال.
اقرأ أيضًا : حكومة جديدة بوجوه مختلفة باليمن… هل تمهّد لاستقرار بعد تراجع الميليشيا الإماراتية؟