بينما تقدم نفسها كجهة إنسانية تسعى لتخفيف معاناة أهالي غزة، تكشف الوثائق والمقترحات المسرّبة عن “مؤسسة غزة الإنسانية” المدعومة أميركيًا وجهًا مختلفًا تمامًا.
فالمؤسسة التي بدأت بتوزيع مواد غذائية داخل القطاع، كانت تُحضّر في الخفاء لمشروع تهجيري واسع، تحت مسمى “مناطق انتقال إنسانية”، وهي خطوة يرى فيها خبراء ومنظمات أممية تمهيدًا لتفكيك النسيج السكاني لغزة وإنهاء السيطرة السياسية لحماس عبر أدوات أمنية مقنّعة.
المخيمات “الإنسانية”.. اسم ناعم لخطة تهجير قسري
بحسب تحقيق أجرته وكالة رويترز، حصلت على عرض تقديمي داخلي يتضمن مقترحًا مفصّلًا من مؤسسة غزة الإنسانية لإنشاء “مناطق انتقال إنسانية” داخل غزة وربما خارجها، تستوعب مئات الآلاف من المدنيين “بشكل طوعي” وتوفر لهم مرافق صحية ومدارس ومساكن، تمهيدًا لـ”إعادة اندماجهم” أو “إعادة توطينهم” في أماكن أخرى.
اللافت أن العرض يحدد مبلغًا أوليًا يتجاوز ملياري دولار، ويذكر دولًا محتملة كوجهة للنازحين مثل مصر وقبرص، دون تحديد كيفية نقلهم. ويأتي هذا ضمن خطة تقول المؤسسة إنها تهدف إلى “إزالة سيطرة حماس على السكان”، وهي عبارة كافية وحدها لتفريغ المشروع من أي مضمون إنساني، وإظهار غاياته السياسية.
تزامن ذلك مع تصريحات صادمة من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي قال مطلع فبراير الماضي إنه يجب تحويل غزة إلى “ريفييرا الشرق الأوسط” بعد إعادة توطين سكانها البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة، ما يؤكد أن الخطة ليست مبادرة إغاثية معزولة بل جزء من رؤية سياسية أميركية شاملة.
من الإغاثة إلى التهجير.. دور استخباراتي بغطاء مدني
رغم نفي المؤسسة لمسؤوليتها عن المقترح المسرّب، إلا أن الوثائق تحمل اسمها على الغلاف، فضلًا عن اسم شركة “SRS” الأميركية المتعاقدة معها. وفي الوقت الذي تصر فيه المؤسسة على أن دورها يقتصر على توزيع الطعام، كشفت رويترز أنها تنسّق مع جيش الاحتلال الإسرائيلي وتستخدم شركات لوجستية وأمنية أميركية خاصة لتسهيل عملها، ما يجعلها محل شكوك كبيرة في الأوساط الإنسانية.
إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، وصف المؤسسة بأنها “ليست منظمة إغاثة، بل أداة استخباراتية وأمنية تابعة للاحتلال الإسرائيلي”، محذرًا من استخدامها كحصان طروادة لتقسيم القطاع وتهجير سكانه.
يأتي ذلك في ظل رفض متكرر من بنوك عالمية مثل UBS السويسري وغولدمان ساكس الأميركي لفتح حسابات للمؤسسة، وهو مؤشر آخر على الريبة الدولية تجاه أهدافها وتمويلها.
الرد الإنساني والدولي: تشكيك وتحذير
الردود من المؤسسات الإنسانية كانت حادة. فقد اعتبرت الأمم المتحدة أن مشروع “مناطق الانتقال الإنسانية” غير آمن بطبيعته وينتهك قواعد الحياد، وأكد مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أنه سجل أكثر من 613 حالة قتل في نقاط إغاثة تديرها المؤسسة أو بالقرب منها، ما يدل على أنها ليست مناطق آمنة كما تدّعي.
أما الخبراء في المجال الإنساني، فحذّروا من أن الحديث عن “نزوح طوعي” لسكان غزة الذين يعانون من القصف والجوع هو مغالطة صريحة. وقال جيريمي كونينديك، الرئيس السابق للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، إن “النزوح الطوعي لا يمكن أن يُفرض على شعب محاصر يتعرض للقصف المستمر منذ عامين”.
حتى داخل المؤسسة نفسها، اعترف مصدر مطلع بأن المشروع تعثّر بسبب غياب التمويل الكافي، لكنه أكد أن الخطة ما زالت حية، وتمثل المرحلة الثانية بعد توزيع المواد الغذائية، الذي بدأ في مايو/أيار الماضي، كغطاء تمهيدي لتهيئة السكان نفسيًا للقبول بفكرة الانتقال.
خاتمة: حين تتوارى المساعدات خلف مشروع استعماري جديد
تكشف أزمة “مؤسسة غزة الإنسانية” عن تحول خطير في آليات التدخل في غزة. فلم تعد أدوات الاحتلال مقتصرة على الحصار أو القصف، بل امتدت إلى ما يمكن تسميته بـ”الاحتلال الإنساني”، حيث تستخدم المؤسسات الإنسانية كغطاء لأجندات أمنية تهدف إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني، وسلخه عن مقاومته، وإعادة تشكيله سياسيًا واجتماعيًا.
المخيمات التي يتم الترويج لها كملاجئ مؤقتة قد تكون أولى خطوات التهجير الجماعي، على غرار نكبة 1948. والخطير أن كل هذا يجري وسط صمت دولي، وتواطؤ أميركي علني، وتمويل معلن من وزارة الخارجية الأميركية بمبلغ 30 مليون دولار.
إن مشروع “مناطق الانتقال” ليس مجرد فكرة عابرة، بل نموذج متطور من السيطرة الناعمة باستخدام سلاح المساعدات، وهو ما يستدعي من الفلسطينيين ومناصريهم في العالم أجمع رفع الصوت عاليًا لوقف تحويل المأساة الإنسانية في غزة إلى فرصة لتمرير مشاريع استعمارية ناعمة تحت عباءة الإغاثة.
اقرأ أيضًا : طلاب وأساتذة يواجهون إدارة ترامب في المحكمة: معركة حرية التعبير ودعم فلسطين