تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى نظام الرئيس التونسي قيس سعيّد مع اتساع دائرة الانتهاكات ضد المعارضين في السجون، وسط تدهور الأوضاع الحقوقية في البلاد. فقد طالبت جبهة “الخلاص الوطني” المعارضة بفتح تحقيق عاجل في ما وصفته بـ”التجاوزات الجسيمة” التي يتعرض لها المعتقلون السياسيون، معتبرة أن ما يجري يرقى إلى مستوى القمع المنظم ضد المعارضين.
وخلال وقفة احتجاجية نظمتها الجبهة، الجمعة، رفعت شعارات قوية من قبيل: “حريات حريات.. لا قضاء التعليمات”، و”شرفاء في السجون”، في رسالة مباشرة للنظام الذي تتهمه المعارضة بتسييس القضاء وتكميم الأفواه. الجبهة شددت على أن الأوضاع الصحية لعدد من المعتقلين باتت “بالغة الخطورة”، وأن بعضهم محروم من العلاج رغم تحذيرات الأطباء، وهو ما اعتبرته انتهاكًا صارخًا للمواثيق الدولية التي تلتزم بها تونس.
وتأتي هذه المطالبات في ظل تزايد الغضب الشعبي والسياسي من استمرار الاعتقالات التي طالت شخصيات من مختلف الأطياف السياسية، من الإسلاميين إلى الليبراليين واليساريين، في مشهد يعيد للأذهان سنوات الاستبداد التي ثار عليها التونسيون في 2011.

تدهور صحي ومظلومية سياسية
القيادي في حركة “النهضة” وعضو جبهة “الخلاص” بلقاسم حسن، أكد أن أوضاع السجون في تونس “وصمة عار”، مشددًا على ضرورة “إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين فورًا ووضع حد للمحاكمات السياسية”. وقال إن السلطة الحالية “تدهس مكتسبات الثورة والديمقراطية”، وإن الاعتقالات لم تعد تستهدف الإسلاميين فحسب، بل طالت رموزًا من كل الاتجاهات.
وطالب حسن بفتح “تحقيق شفاف في كل الانتهاكات التي تطال المعتقلين السياسيين”، مشيرًا إلى أن من بينهم شخصيات بارزة تعاني أوضاعًا صحية حرجة، مثل الوزير السابق محمد بن سالم والدكتور منذر الونيسي ونور الدين البحيري والسيد الفرجاني ومنصف العمدوني. هؤلاء، بحسبه، “بحاجة عاجلة للرعاية الطبية، لكن السلطة تصر على تجاهل أوضاعهم كنوع من العقاب السياسي”.
أما رئيس جبهة “الخلاص” أحمد نجيب الشابي، فاعتبر أن حالة بن سالم تمثل “نموذجًا فاضحًا للتعذيب البارد”، موضحًا أنه “يخضع لإقامة جبرية في محافظة قابس رغم حاجته الماسة للعلاج في العاصمة تونس”، وأن الأطباء حذروا من تفاقم وضعه الصحي. وأضاف الشابي أن “السلطة القضائية ترفض السماح له بالعلاج”، مؤكدًا أن “الإقامة الجبرية يجب أن تُراعى فيها الحالات الإنسانية، لا أن تتحول إلى وسيلة انتقام سياسي”.
الناطق الرسمي باسم حركة “النهضة” عماد الخميري شدد بدوره على أن قضية المعتقلين “لم تعد مسألة سياسية بل إنسانية”، مؤكدًا أن “المعارضة التونسية تُجرَّم بالكامل اليوم، وأن النظام يسعى لإسكات كل صوت حر عبر القمع والسجون”.
قضية “التآمر1”.. محاكمة عن بعد ومعارضة في الميدان
أحد أبرز الملفات التي تثير جدلاً واسعًا في تونس هو ما يُعرف بـ”ملف التآمر على أمن الدولة”، أو “التآمر1″، الذي شمل عشرات الشخصيات السياسية ورجال الأعمال. وكشف رئيس جبهة “الخلاص” أحمد نجيب الشابي أن المحاكمة في طورها الاستئنافي ستُعقد قريبًا “عن بعد”، كما حدث في الطور الابتدائي، معتبرًا أن ذلك “ينسف حق المتهمين في المواجهة العلنية ويحوّل العدالة إلى أداة بيد السلطة التنفيذية”.
وأوضح الشابي أن وزارة العدل أبلغت عمادة المحامين بنيّتها عقد الجلسة خلال الشهر الجاري عبر الوسائل الافتراضية، ما أثار اعتراضًا واسعًا من المتهمين الذين وصفوا القرار بأنه “محاكمة شكلية تهدف إلى تبرير أحكام معدّة سلفًا”. وأضاف: “أنا شخصيًا لن أحضر الطور الاستئنافي، لأن الحكم جاهز مسبقًا، والسلطة التنفيذية تتحكم في مجريات العدالة، وليحكموا بما أرادوا”.
وكانت المحكمة قد أصدرت في نيسان/ أبريل من العام الماضي أحكامًا قاسية تراوحت بين 18 و66 سنة سجناً ضد 40 شخصية، أبرزهم رجل الأعمال كمال اللطيف، والأمين العام السابق لحزب “التكتل الديمقراطي” خيام التركي، والقيادي بحركة “النهضة” نور الدين البحيري، إلى جانب سياسيين آخرين من جبهة “الخلاص”، من بينهم أحمد نجيب الشابي نفسه، الذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن 18 عامًا.
ويرى مراقبون أن هذا الملف تحول إلى “سيف سياسي” يستخدمه قيس سعيّد لتصفية خصومه تحت غطاء القضاء، خاصة بعد أن أحكم قبضته على مؤسسات الدولة منذ قرارات 25 يوليو/ تموز 2021 التي جمّد فيها البرلمان وأقال الحكومة وبدأ مرحلة الحكم الفردي.
عودة الاستبداد.. ثورة مضادة بأدوات قانونية
تعتبر جبهة “الخلاص” أن ما يجري اليوم في تونس “ثورة مضادة مكتملة الأركان”، حيث يُستعمل القضاء كسلاح سياسي، وتُقمع الحريات باسم الأمن، ويُكمم الإعلام باسم القانون. فبعد أكثر من عقد على ثورة الياسمين، يجد التونسيون أنفسهم أمام واقع يعيد إنتاج منظومة بن علي بأساليب جديدة، حيث تُدار المحاكمات عن بعد، ويُمنع العلاج عن السجناء، ويُلاحق الصحفيون والناشطون بتهم “نشر أخبار كاذبة” أو “الإضرار بالأمن القومي”.
ويرى مراقبون أن تمسك المعارضة بخطابها الحقوقي السلمي رغم القمع يعكس إصرارها على الدفاع عن جوهر الثورة، في وقت يسعى فيه النظام لتكريس “الاستقرار القسري” عبر سياسة التخويف.
وفي ظل صمت أوروبي رسمي وتراجع الضغط الدولي على سعيّد، تبدو تونس في مسار خطر نحو عزلة سياسية وحقوقية متزايدة، بينما تبقى أصوات المعارضة — وفي مقدمتها جبهة “الخلاص” — تصرخ مطالبة بـ”التحقيق في الانتهاكات، وإنقاذ ما تبقى من روح الثورة التونسية”.
خلاصة:
التحركات الأخيرة لجبهة “الخلاص” تمثل إنذارًا صريحًا بأن البلاد تنزلق مجددًا نحو القمع المنهجي، وأن ملف المعتقلين السياسيين أصبح معيارًا لقياس مدى بقاء الديمقراطية التونسية على قيد الحياة. وبينما يصر قيس سعيّد على تجاهل النداءات الداخلية والدولية، تبدو تونس مقبلة على اختبار جديد بين إرادة الاستبداد وصمود المعارضة.
اقرأ أيضًا : المرصد الأورومتوسطي: جثامين الفلسطينيين تكشف تعذيبًا ممنهجًا.. ونطالب بتحقيق دولي عاجل