تستعد تونس، يوم الثلاثاء، لمحاكمة جديدة تستهدف رموز المعارضة، في حلقة جديدة من مسلسل القمع الذي يقوده الرئيس قيس سعيد ضد خصومه السياسيين، تحت ذريعة “التآمر على أمن الدولة”.
هذه القضية، التي تم تلفيقها ضد معارضين بارزين، تأتي في سياق حملة ممنهجة لتصفية المعارضة، مستخدمًا القضاء كأداة سياسية لتنفيذ أجندته السلطوية.
تشمل المحاكمة شخصيات سياسية وإعلامية وحقوقية بارزة، منها رئيس “الحزب الجمهوري” عصام الشابي، والمحامي جوهر بن مبارك، والمسؤول السابق في حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي، والناشطة شيماء عيسى، ورجل الأعمال كمال الطيف، والنائبة السابقة بشرى بلحاج حميدة.
لم يسلم حتى الكاتب الفرنسي برنار هنري ليفي من هذه الاتهامات العبثية، ما يعكس مدى هشاشة القضية التي تعتمد على مزاعم ملفقة دون أدلة حقيقية.
ومنذ إعلان سعيد استحواذه على السلطة في 2021 بحل البرلمان وتعطيل المؤسسات الديمقراطية، أصبحت تونس تعيش في ظل حكم فردي يضرب عرض الحائط بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وبدلًا من معالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي تعاني منها البلاد، اختار سعيد توظيف القضاء لملاحقة المعارضين في محاولة يائسة لإسكات أي صوت معارض.
![]()
القضاء المسيس.. أداة سعيد لقمع المعارضة
السلطات التونسية لم تكتفِ بحملة الاعتقالات ضد المعارضين، بل قررت هذه المرة نقل المحاكمة إلى مستوى أكثر قمعًا، بإجراء المحاكمة عن بُعد عبر الفيديو، في خطوة تعكس استخفاف النظام بمبادئ المحاكمة العادلة.
هيئة الدفاع عن المتهمين أكدت أن المحاكمة تتم بناءً على “شهادات زائفة وملفات فارغة”، مما يبرهن على أن الهدف الحقيقي ليس تحقيق العدالة، بل استخدام القضاء كسلاح سياسي لضرب أي معارضة لسعيد.
ومن داخل سجنه، وجّه المحامي جوهر بن مبارك، أحد أبرز المعتقلين ومؤسس “جبهة الخلاص الوطني”، رسالة شديدة اللهجة قال فيها: “السلطة سعت جاهدة إلى تدجين القضاء، وجعله أداة لاضطهاد كل الأصوات المعارضة، في محاولة بائسة لإعادة تونس إلى مربع الديكتاتورية”.
هذا النهج القمعي لم يمر دون انتقادات دولية واسعة، حيث أعربت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن قلقها العميق إزاء المحاكمة، داعية السلطات التونسية إلى “وقف جميع أشكال الاضطهاد السياسي واحترام الحق في حرية الرأي والتعبير”.
كما طالبت بالإفراج الفوري عن المتهمين، لا سيما أولئك الذين يعانون من مشاكل صحية، لكن النظام التونسي تجاهل هذه النداءات، مصرًا على المضي قدمًا في استهداف المعارضين.
وفي رد مستفز، زعمت وزارة الخارجية التونسية أن المحاكمات تستند إلى “جرائم حق عام” وليس إلى خلفيات سياسية، مدعية أن تونس “لن تقبل الدروس من أحد”، في إشارة واضحة إلى رفضها أي ضغوط دولية.
القضية ليست الأولى: الغنوشي نموذج لاستهداف المعارضين
ما يحدث اليوم ليس جديدًا، فقد سبق أن أقدم النظام التونسي على استهداف رموز المعارضة بأساليب مماثلة، وكان أبرزهم رئيس البرلمان السابق وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، الذي حكم عليه بالسجن 22 عامًا في قضية مفبركة أخرى، وذلك في محاولة لتصفية الحركة الإسلامية وإقصاءها تمامًا من المشهد السياسي.
الغنوشي، الذي يُعد أحد أبرز القادة السياسيين في تونس منذ الثورة، واجه سلسلة من الاتهامات الملفقة، تمامًا كما يحدث اليوم مع بن مبارك وبقية المعتقلين.
فقد تمت محاكمته بتهم واهية، وسط ضغوط شديدة على القضاة لإصدار أحكام قاسية ضده. محاموه أكدوا أن ملف قضيته “فارغ تمامًا ويستند إلى ادعاءات لا أساس لها”، ومع ذلك، أصدر القضاء المسيس حكمًا جائرًا بحقه، في رسالة واضحة بأن أي شخص يعارض سعيد سيكون مصيره السجن.
ما يجري اليوم هو تكرار لهذا السيناريو، حيث يسعى قيس سعيد إلى إحكام قبضته على البلاد عبر إقصاء كل من يشكل تهديدًا لسلطته، سواء من الإسلاميين أو الليبراليين أو الحقوقيين، في إطار خطة لإعادة تونس إلى نظام شمولي يقمع الحريات وينهي أي أمل في الديمقراطية.
مستقبل غامض في ظل الحكم الفردي
مع استمرار سعيد في نهجه القمعي، تتجه تونس نحو مستقبل أكثر قتامة، حيث يترسخ الحكم الفردي، وتتراجع الحريات، ويزداد الوضع الاقتصادي سوءًا، في ظل عزلة دولية متزايدة. فالنظام، الذي يواجه أزمة اقتصادية خانقة، لم يجد حلًا سوى تصعيد القمع السياسي، معتقدًا أن ذلك سيمنحه مزيدًا من الوقت للبقاء في السلطة.
لكن السؤال الأهم هو: إلى متى يمكن لسعيد أن يستمر في هذه السياسة قبل أن تنفجر الأوضاع؟
فتونس، التي أطاحت بديكتاتور في 2011 بثورة شعبية، قد لا تحتمل عودة الاستبداد مرة أخرى. وإذا استمر النظام في قمع المعارضة بهذا الشكل، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو أن يواجه احتجاجات شعبية متزايدة، قد تُنهي حكمه تمامًا كما حدث لسلفه بن علي.
في النهاية، هذه المحاكمة ليست سوى فصل آخر في معركة طويلة بين سلطة قمعية ومعارضة تقاتل من أجل الحفاظ على ما تبقى من الديمقراطية في تونس. لكن التاريخ أثبت أن الأنظمة الاستبدادية قد تربح جولات، لكنها نادرًا ما تنتصر في المعركة النهائية.