في خطوة تكشف حجم المأزق السياسي والعسكري الذي يعيشه الاحتلال، عقد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس اجتماعًا موسعًا، مساء الثلاثاء، مع رئيس هيئة الأركان إيال زامير وكبار المسؤولين العسكريين والأمنيين في مقر الوزارة المعروف بـ”الكرياه” في تل أبيب.
الاجتماع الذي حظي بتغطية واسعة من القناة 12 العبرية وموقع تايمز أوف إسرائيل، جاء للتصديق على خطط احتلال مدينة غزة بالكامل، وسط تحذيرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن المغامرة قد تنتهي بفشل مدوٍ، وفقدان السيطرة على القطاع دون تحقيق “هزيمة مؤكدة” لحركة المقاومة الإسلامية حماس.
![]()
خلفية الاجتماع: عسكرة القرار وغياب السياسة
الاجتماع ضم إلى جانب كاتس وزامير، كبار القادة في القيادة الجنوبية، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، ورئيس شعبة العمليات، وممثلين عن جهاز “الشاباك”. هذه التركيبة تعكس الطبيعة الأمنية الخالصة للقرار، بعيدًا عن أي مقاربة سياسية أو دبلوماسية.
القناة 12 أشارت بوضوح إلى أن “المؤسسة الأمنية تحذر من مخاطر العملية”، مؤكدة أن هزيمة حماس ليست مضمونة، وأن الخطوة تحمل مجازفة كبيرة على المدى المتوسط والبعيد. هذا التحذير يضع علامات استفهام حول إصرار كاتس ومحيطه على المضي في مخطط احتلال غزة رغم فشل المناورات السابقة، وارتفاع تكلفة الحرب سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
تفاصيل المخطط: تهجير جماعي ثم حصار واقتحام
بحسب تايمز أوف إسرائيل، يتضمن المخطط المبدئي إدخال خيام ومعدات إيواء إلى جنوب قطاع غزة، ثم منح مهلة حتى 7 أكتوبر/تشرين الأول 2025 لمليون فلسطيني في مدينة غزة لمغادرتها، قبل شن هجوم بري واسع.
الجيش يخطط لفرض حصار شامل على المدينة، ثم اقتحامها بعد استدعاء عشرات آلاف جنود الاحتياط. هذا السيناريو يذكّر بسياسات التهجير القسري التي مارستها الصهيونية منذ النكبة عام 1948، ويعكس توجهًا إجراميًا يرمي إلى تفريغ غزة من سكانها الأصليين تحت ذريعة “الأمن”، وهو ما يصنف قانونيًا كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.
الموقف الإسرائيلي المتناقض: بين الرفض والابتزاز
المفارقة أن الإعلان عن هذه الخطط جاء بعد يوم واحد فقط من تسلم إسرائيل رد حماس على مقترح وقف إطلاق النار الذي تقدم به الوسطاء المصريون والقطريون.
القناة 12 نقلت عن مصادر أن “المحيط القريب من نتنياهو أعلن أن المقترح لم يعد ذا صلة، فنحن نناقش احتلال غزة فقط”. ورغم أن مقترح المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، الذي نص على هدنة مدتها 60 يومًا مقابل إطلاق أسرى، ما زال يحظى بدعم بعض الأوساط الأمنية، فإن مكتب نتنياهو سارع إلى إصدار بيان يؤكد فيه أن “سياسة إسرائيل ثابتة”، في إشارة إلى رفض ضمني للمقترح، واشتراط الإفراج عن جميع المختطفين وفق مبادئ الكابينت.
هذا الموقف يكشف استخدام ملف الأسرى كورقة ابتزاز داخلي وخارجي، بدلًا من التعامل معه كأزمة إنسانية وأمنية ملحة.
مأزق الأسرى وصورة “الضحية”
تقدّر إسرائيل وجود 50 أسيرًا لديها في غزة، بينهم 20 أحياء، في حين يقبع في سجونها أكثر من 10,800 أسير فلسطيني يتعرضون للتعذيب والتجويع والإهمال الطبي، ما أدى إلى استشهاد العديد منهم وفق تقارير حقوقية دولية.
إصرار الاحتلال على تسويق نفسه كـ”ضحية” يخفي خلفه واقعًا مريرًا من سياسات البطش الجماعي، حيث يقارن المجتمع الدولي بين معاناة عشرات الأسرى الإسرائيليين وبين المجازر اليومية التي تحصد آلاف الأرواح الفلسطينية في غزة.
حصيلة الإجرام: إبادة جماعية موثقة
منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تشن إسرائيل حرب إبادة ضد سكان القطاع بدعم أمريكي مباشر. الحصيلة حتى الآن بلغت أكثر من 62,064 شهيدًا و156,573 مصابًا، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى 9 آلاف مفقود تحت الأنقاض، ومئات آلاف النازحين.
المجاعة المتعمدة التي يفرضها الاحتلال أدت إلى وفاة 266 شخصًا جوعًا، بينهم 112 طفلًا، وهي أرقام تعكس استراتيجية ممنهجة تهدف إلى قتل المدنيين بوسائل متعددة: القصف، الحصار، والتجويع.
قراءة تحليلية: هروب إلى الأمام
اجتماع كاتس مع رئيس الأركان لتصديق خطط الاحتلال ليس دليل قوة، بل مؤشر ضعف. بعد عشرة أشهر من الحرب، لم ينجح الجيش الإسرائيلي في القضاء على المقاومة أو تفكيك بنيتها العسكرية، بل على العكس، أظهرت كتائب القسام قدرة عالية على الصمود وابتكار أساليب قتالية أربكت الجيش.
لذلك، فإن طرح خيار “احتلال غزة” يعكس هروبًا إلى الأمام ومحاولة لتصدير الأزمة الداخلية التي تعصف بحكومة نتنياهو، والتي تواجه ضغوطًا هائلة من عائلات الأسرى، ومن المعارضة التي ترى أن الحرب تحولت إلى مستنقع لا نهاية له.
خلاصة: الاحتلال يكرر جرائمه
التحركات الإسرائيلية الأخيرة تؤكد أن العقلية الاستعمارية لم تتغير، وأن منطق القوة المفرطة لا يزال يسيطر على صانع القرار. إلا أن التاريخ أثبت أن الاحتلال مهما استقوى بالسلاح والدعم الدولي، لن يستطيع كسر إرادة شعب متمسك بأرضه وهويته.
خطط كاتس وزامير لاحتلال غزة هي نسخة جديدة من جرائم التهجير والتطهير العرقي، لكنها ستواجه بمقاومة شرسة، وستبقى شاهدة على إجرام الاحتلال الذي يتوهم أن بالإمكان إعادة كتابة الجغرافيا والديموغرافيا بقرارات عسكرية من “الكرياه” في تل أبيب.
اقرأ أيضًا : سفير الاحتلال في البحرين يكشف عن طفرة تجارية.. رغم الدم الفلسطيني