في مفارقة صادمة تعكس عمق الخيانة والتطبيع، خرج سفير دولة الاحتلال المنتهية ولايته في البحرين، إيتان نائيه، ليكشف بالأرقام عن “إنجازات” العلاقات الاقتصادية بين المنامة وتل أبيب منذ توقيع اتفاقية التطبيع عام 2020، حتى في ظل حرب الإبادة المستمرة على غزة. 

الأرقام التي أعلنها السفير لم تكن مجرد مؤشرات اقتصادية، بل شهادة موثقة على حجم التواطؤ العربي مع الاحتلال، وتحويل التطبيع من شعار سياسي إلى وقائع اقتصادية تترسخ على حساب دماء الفلسطينيين.

قفزات صادمة في الصادرات الإسرائيلية إلى البحرين

وفق تصريحات نائيه، ارتفعت صادرات “إسرائيل” إلى البحرين بمعدل سنوي مذهل بلغ 2,140% خلال السنوات الخمس الماضية. فبعد أن كانت هذه الصادرات صفرًا في عام 2018، وصلت إلى 5.65 مليون دولار في عام 2023. هذا التحول ليس مجرد ازدهار تجاري، بل يعكس إرادة سياسية من النظام البحريني لتطبيع كامل مع الاحتلال، وفتح الأبواب أمام منتجاته وأسواقه، في وقت كانت فيه غزة تحترق بالقصف الإسرائيلي، ويستشهد أطفالها عطشًا وجوعًا تحت الحصار.

الأمر الأكثر إثارة للجدل أن هذا التوسع لم يكن عفويًا أو محدودًا، بل جاء في إطار مخطط مدروس لإدماج “إسرائيل” في اقتصاديات الخليج عبر البحرين باعتبارها البوابة الأضعف والأكثر استعدادًا للتماهي مع المشروع الصهيوني.

البحرين.. صادرات تتضاعف لصالح الاحتلال

لكن الصورة لم تتوقف عند الصادرات الإسرائيلية. فالبحرين بدورها ضخت في السوق الإسرائيلية صادرات بقيمة 16.5 مليون دولار في عام 2023، بعد أن كانت صفرًا في 2018. ما يعني أن صادرات البحرين إلى “إسرائيل” ارتفعت بمعدل سنوي بلغ 2,680%. هذه الأرقام تكشف أن العلاقة التجارية لم تكن أحادية الجانب، بل علاقة متبادلة تعكس تقاربًا اقتصاديًا استراتيجيًا، هدفه تثبيت التطبيع وتحويله إلى شبكة مصالح يصعب التراجع عنها.

في ظل هذه الأرقام، لا يمكن تجاهل أن النظام البحريني قد تجاوز كل الخطوط الحمراء، وقرر أن يربط مستقبله الاقتصادي بمستقبل الاحتلال، متجاهلًا مشاعر شعبه الرافض للتطبيع ومطالب الفلسطينيين بالحرية والعدالة.

تقارير تكشف: التجارة تزدهر رغم الحرب على غزة

التقرير الأحدث الذي صدر في أيلول/ سبتمبر 2024 أظهر بوضوح أن هذه الطفرة لم تتوقف رغم حرب الإبادة الجارية على غزة. فقد بلغ حجم التجارة بين “إسرائيل” والبحرين 16.8 مليون دولار في يونيو/ حزيران 2024، أي بزيادة قدرها 740% مقارنة بالشهر نفسه من عام 2023. والأدهى أن حجم التجارة في النصف الأول من 2024 وصل إلى 70.5 مليون دولار، بزيادة 879% عن الفترة نفسها من عام 2023.

هذه الأرقام تُظهر أن الدم الفلسطيني لم يشكل أي عائق أمام المنامة وتل أبيب، بل على العكس، بدا وكأن الحرب منحت العلاقات الاقتصادية زخمًا إضافيًا، وكأن الرسالة المبطنة أن دماء غزة لا توقف الصفقات، بل ربما تشجعها.

التطبيع كخيانة موصوفة

ما كشفه نائيه لا يمكن فصله عن سياق أوسع، يتمثل في مشروع التطبيع الخليجي الذي قادته الإمارات وجرّت خلفها البحرين والسعودية في الكواليس. هذا المشروع لم يكن هدفه فقط فتح أبواب السياسة والدبلوماسية، بل إعادة تشكيل المنطقة اقتصاديًا لصالح “إسرائيل”، وجعلها مركزًا للتجارة والاقتصاد في الخليج على حساب القضية الفلسطينية.

اللافت أن البحرين، الدولة الصغيرة ذات النفوذ المحدود، تحولت إلى نموذج اختبار لسياسات التطبيع العميقة، حيث يتم تمرير الخطوات الأكثر جرأة وصدامًا مع المزاج الشعبي، دون اكتراث بالرفض الداخلي أو حتى المخاطر الأمنية على المدى البعيد. هنا تتجسد الخيانة بأوضح صورها: أن يصبح دم الفلسطينيين مجرد خلفية سوداء لعروض اقتصادية وبيانات تجارية.

غزة تحترق.. وصفقات البحرين تتضاعف

من المشاهد التي تثير الغضب أن البحرين والاحتلال يعلنان هذه الأرقام في وقت يتعرض فيه قطاع غزة لأبشع صور القصف والتجويع. فبينما كانت الطائرات الإسرائيلية تحوّل الأحياء إلى ركام وتدفن العائلات تحت الأنقاض، كانت صادرات البحرين تتدفق إلى تل أبيب، وصادرات الاحتلال تجد طريقها إلى المنامة. وكأن قتل الفلسطينيين ليس عائقًا، بل جزء من مشهد “الازدهار الاقتصادي” المزعوم.

هذا التناقض الفج بين المجازر في غزة والاحتفالات التجارية في المنامة يفضح جوهر مشروع التطبيع: لا مكان فيه لقيم التضامن أو العدالة أو حتى الحياء السياسي، بل فقط لغة المال والمصالح، ولو على حساب الإبادة الجماعية.

خيانة مزدوجة.. وفلسطين تدفع الثمن

تكشف هذه الأرقام بوضوح أن البحرين لم تكن مجرد متواطئ صامت، بل شريك نشط في مشروع إدماج الاحتلال بالمنطقة. واللافت أن هذه الخطوات تأتي في وقت ترفع فيه الأنظمة شعارات دعم فلسطين لفظيًا، بينما تنسج في الكواليس شبكات مصالح مع العدو. إنها خيانة مزدوجة: خيانة لشعوبهم التي ترفض التطبيع، وخيانة لفلسطين التي تدفع الثمن يوميًا.

فالمعادلة واضحة: كل دولار يتدفق بين المنامة وتل أبيب، هو رصاصة إضافية في صدر غزة، وكل صفقة تجارية تمر عبر الموانئ البحرينية، هي مشاركة غير مباشرة في تمويل آلة الحرب الصهيونية.

خلاصة

إعلان السفير الإسرائيلي المنتهية ولايته عن هذه الأرقام لم يكن مجرد تقرير اقتصادي، بل وثيقة إدانة للنظام البحريني الذي أدار ظهره للقضية الفلسطينية، وارتضى أن يكون شريكًا علنيًا في مشروع صهيوني توسعي. لقد تحولت البحرين إلى مختبر للتطبيع الكامل: أرقام صادمة، مصالح متبادلة، وصمت مطبق على جرائم الاحتلال. وبينما يحاول النظام تبرير هذا الانخراط بالحديث عن “المصالح الوطنية”، يدرك الجميع أن النتيجة الوحيدة لهذا المسار هي مزيد من الخيانة لفلسطين، ومزيد من الضعف للأنظمة التي ارتمت في حضن العدو.

اقرأ أيضًا : غزة ورابعة.. ألم واحد ومجرم مشترك أمام سفارة القاهرة في لندن