حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الأربعاء، من أن الحرب المشتعلة في السودان منذ أكثر من عامين قد أدخلت البلاد في أعمق كارثة جوع يشهدها العالم حالياً، مع وجود 24.6 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، وأكثر من 638 ألفاً يواجهون المجاعة بشكل مباشر.
ويشكل هذا العدد الأعلى على مستوى العالم، بحسب المنظمة، التي شددت على أن استمرار الحرب وتوسع العمليات العسكرية يزيدان من تفاقم الأزمة الإنسانية، لا سيما في ظل صمت دولي مريب وتورط إقليمي مكشوف، وعلى رأسه الدور التخريبي للنظام الإماراتي في دعم الميليشيات المسلحة التي تعمّق المعاناة وتدمر البنية التحتية للغذاء والإغاثة.
وفي بيان صادر عن المنسق الإقليمي للطوارئ ببرنامج الأغذية العالمي في السودان، أكد أن “الوضع ينذر بكارثة غير مسبوقة”، مضيفاً أن البرنامج في سباق مع الزمن لتخزين المواد الغذائية قبل أن يبدأ موسم الأمطار، الذي يؤدي سنوياً إلى شلل في حركة الشاحنات والمساعدات، ويضاعف من انتشار الأوبئة وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال.
الميليشيات ودورها في تفجير الأزمة
تشير تقارير ميدانية وأممية إلى أن المناطق الأكثر تضرراً من المجاعة تتمركز في شمال دارفور وجبال النوبة، حيث تمارس ميليشيا “الدعم السريع” المدعومة من الإمارات سياسة التجويع الممنهج ضد المدنيين، عبر نهب القوافل الإغاثية، وحصار مخيمات النازحين، وارتكاب المجازر التي تهجر السكان قسراً من مناطق الزراعة والرعي.
ومن بين أبرز المناطق المنكوبة، مخيم زمزم في شمال دارفور، الذي وصفته تقارير الأمم المتحدة بأنه على شفا الموت الجماعي، حيث يعاني أكثر من ثلث الأطفال من سوء التغذية الحاد، ما يجعلهم عرضة للموت في أي لحظة.
ولا تتوقف الجرائم عند حدود الحصار، بل تشمل أيضاً استهداف المرافق الحيوية التي كانت تساهم في الحد من الأزمة، مثل الأسواق، ومخازن الحبوب، والآبار، وحتى الطرق التي تمر منها القوافل الإنسانية.
وقد أدى هذا النمط من الاستهداف إلى تدمير سلاسل الإمداد الغذائي بالكامل، مع عجز الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية عن الوصول إلى أكثر من 60% من المناطق المتضررة.
وبحسب ما أكده مسؤول في برنامج الأغذية العالمي، فإن 10 مواقع في السودان تعيش حالياً حالة مجاعة مؤكدة، منها 8 في شمال دارفور وحدها، فيما تواجه 17 منطقة أخرى خطر الانزلاق إلى المجاعة الكاملة، أبرزها العاصمة الخرطوم التي انهارت فيها الخدمات الأساسية، وتفاقمت فيها معدلات النزوح والفقر والانفلات الأمني.
العجز الدولي وخطر الانهيار الكامل: نقص التمويل وتجاهل الكارثة
رغم التحذيرات المتكررة، لا تزال الاستجابة الدولية ضعيفة إلى حد كارثي. فبرنامج الأغذية العالمي، الذي كان يغطي في الأشهر الأخيرة احتياجات نحو 4 ملايين شخص فقط، يواجه أزمة تمويل حادة تهدد بتقليص الدعم الإنساني في وقت يتطلب فيه توسعاً عاجلاً ليشمل ما لا يقل عن 7 ملايين سوداني في الأشهر المقبلة.
وقال المنسق الإقليمي للبرنامج: “نحتاج إلى دعم عاجل لتأمين الإمدادات قبل أن تصبح الطرق غير سالكة بسبب الأمطار”، مضيفاً أن تأخير التمويل أو تقليصه “يعني حرفياً الحكم بالموت على مئات الآلاف من السودانيين”.
وأشار إلى أن موسم الأمطار الماضي شهد زيادة كبيرة في حالات الوفاة المرتبطة بالجوع والأمراض، وأن تكرار السيناريو هذا العام قد يؤدي إلى “انهيار كامل لمنظومة الأمن الغذائي في السودان”.
وفي الوقت الذي تصدر فيه تقارير دولية متزايدة توثق دور النظام الإماراتي في تأجيج النزاع وتمويل الميليشيات التي تمارس جرائم حرب في دارفور والخرطوم، لا تزال معظم الدول الكبرى تتعامل مع الأزمة باعتبارها “نزاعاً داخلياً”، متجاهلة الأبعاد الجيوسياسية والجرائم العابرة للحدود التي تغذي الكارثة.
هل يترك العالم السودان ليجوع حتى الموت؟
ما يشهده السودان اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية، بل جريمة كبرى تتواطأ فيها أطراف إقليمية ودولية، وتُرتكب فيها المجاعة كسلاح ممنهج لإخضاع السكان وتركيع المجتمعات المحلية، خاصة في دارفور وجبال النوبة.
وبينما تتورط الإمارات علناً في دعم الميليشيات المتهمة بهذه الفظائع، وتفشل الأمم المتحدة في فرض ممرات آمنة أو حماية فعالة للمدنيين، يبقى مستقبل ملايين السودانيين رهناً لصراعات المصالح وصفقات السلاح والنفط.
ويبدو أن السؤال المطروح اليوم لم يعد: “هل سينهار السودان؟”، بل “إلى متى سيستمر العالم في الصمت على هذه الجريمة الجماعية؟”.
اقرأ أيضًا : عدوان جديد على نازحي السودان.. “الدعم السريع” يقصف مخيمًا للنازحين ويقتل أمًا وأطفالها بطائرات إماراتية