بثّت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، مقاطع مصورة جديدة توثق تفاصيل كمين “كسر السيف” الذي نُفذ ضد قوة إسرائيلية خاصة شرق بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، يوم السبت الماضي. 

وتأتي هذه المشاهد المصوّرة بعد أكثر من ستة أشهر من الحرب المستمرة، في وقت يسعى فيه الاحتلال الإسرائيلي لتسويق رواية “تفوقه الاستخباري والميداني”، لتكشف القسام عن الوجه الآخر للمعادلة: مقاومة متطورة تواصل استنزاف جيش الاحتلال بحرب عصابات شديدة الدقة والتخطيط.

 

المشاهد، التي بثتها قناة الجزيرة وأكدتها مصادر عسكرية إسرائيلية لاحقًا، تُظهر وحدة قسامية تنتظر مرور آلية عسكرية من نوع “ستورم” على شارع العودة في بيت حانون، قبل أن تُفجّرها بقذيفة مضادة للدروع وتُجهز على القوة داخلها. تلا ذلك استهداف مباشر لقوة الإسناد التي هرعت لإنقاذ الجنود بعبوة “تلفزيونية 3″، ثم قصف لموقع إسرائيلي مستحدث بـ4 قذائف RPG وعدد من قذائف الهاون.

براعة المقاومة.. تكتيك الأنفاق والتفوق الناري المفاجئ

مشهد آخر بثته القسام من حي التفاح شرق مدينة غزة، يضيف فصلاً آخر في سردية براعة التخطيط والاستدراج: عناصر القسام يخرجون من نفق تحت الأرض، يُباغتون دبابتين إسرائيليتين ويقصفونهما بقذائف “الياسين 105″، وهي نسخة فلسطينية مطوّرة محلياً من القذائف المضادة للدروع. 

ووسط اللهب الذي اشتعل في الآليات المستهدفة، سُمعت صرخة أحد المقاتلين: “ولّعت!”، في رسالة رمزية تُختصر فيها فرحة النصر اللحظي رغم عِظم التحديات.

في الوقت الذي يروّج فيه الاحتلال لاجتياحاته البرية وتوغلاته العميقة في مناطق مأهولة ومدمرة، فإن مشاهد “كسر السيف” تُعيد طرح سؤال جوهري على المستوى الاستخباراتي الإسرائيلي: كيف تمكنت القسام من نصب كمين بهذه الدقة، مع استحضار السلاح المناسب، والمباغتة، والانكفاء الآمن بعد تنفيذ العملية؟ هذا يُحيل إلى عُقدة الأنفاق مجددًا، وإلى فشل متكرر في تعطيل البنية القتالية تحت الأرض للمقاومة، رغم آلاف الأطنان من القصف.

كمين بيت حانون ليس مجرد استهداف لدورية، بل هو درس حيّ في إدارة حرب غير متكافئة، تُجسّده المقاومة الفلسطينية عبر التنقل بين أنقاض المدن والنقاط العمياء لرادارات الاحتلال، لتُحافظ على عنصر المفاجأة الذي شكّل رعبًا للجيش الإسرائيلي في حرب 2023 ويعود ليُربك حساباته مجددًا في 2024-2025.

استنزاف الاحتلال.. عندما تُحوِّل المقاومة الركام إلى حصون

ما يُميّز الكمين في بيت حانون، وكذلك الهجمات في حي التفاح، هو أن القسام لم تكتف بتنفيذ الهجوم، بل وثّقته وصاغته سرديًا ضمن حرب الوعي والردع. فكل مشهد مصوّر يتم بثه بدقة زمنية وضمن سياق معنوي، يُعزز من صورة المقاومة كقوة ما تزال فاعلة، رغم الحصار والجوع ودمار أكثر من 60% من بنية غزة التحتية.

ومن بين الركام، أطلق المقاومون قذيفة مضادة للدروع على دبابة إسرائيلية ثالثة من داخل منزل مدمر، ما يدل على التكيّف العالي للمقاتلين مع تضاريس ما بعد القصف. فالبيئة التي يُفترض أنها “مُطهّرة” من المقاومة، باتت تُشكّل غطاءً ميدانيًا لها.

هذا النمط الجديد من القتال، والذي يجمع بين مرونة الكرّ والفرّ، والكمائن المتسلسلة، والاستخدام الذكي للسلاح المحلي، يُعيدنا إلى النظرية القتالية التي طورتها حركات المقاومة الحديثة مثل حزب الله والقسام، والتي تقوم على الاستنزاف الطويل، والنفس العالي، والتحكم بالزمن والبيئة.

في المقابل، يُصاب الاحتلال الإسرائيلي بحالة من الإرباك الاستراتيجي؛ فكل عملية ناجحة تكشف أن الأرض لم تُحسم، وأن الجندي الإسرائيلي بات هدفًا محتملًا في كل زقاق وتحت كل أنقاض، وهو ما ينعكس على نفسيات الجنود ومجتمع الاحتلال الذي يراقب خسائره ترتفع يومًا بعد يوم، بلا أفق واضح للنصر.

 “كسر السيف”.. العنوان الذي يفضح هشاشة الردع الإسرائيلي

مشاهد كمين “كسر السيف” لا تُبرز فقط بسالة المقاومة، بل تكشف هشاشة الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن “تفكيك القسام” و”تحقيق أهداف الحرب”. فما دامت المقاومة تُقاتل وتُوثّق وتُبث مشاهدها للعالم، فإن المعركة أبعد ما تكون عن نهايتها.

والأخطر بالنسبة للاحتلال، أن هذه المشاهد تُشكّل مادة إلهام للشعوب العربية والمقاومات الإقليمية، وتُغذي مشاعر الصمود والمواجهة، في وقت يُراهن فيه الغرب وتل أبيب على تعب الشعوب وخفوت صوت غزة.

“كسر السيف” لم يكن مجرد اسم، بل رسالة واضحة بأن المقاومة لا تزال تُمسك بزمام المبادرة رغم كل الظروف، وأن سيف الاحتلال، مهما طال أمد حمله، لن يكون سوى أداة مكسورة أمام عزيمة المحاصَرين.

اقرأ أيضًا : الالقسام تفجّر نفقًا وتوقع قتلى بصفوف الاحـ.ـتلال.. المقـ.ـاومة مستمرة