بقلم/ أحمد محمد أحمد

أصدرت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، الاثنين، تقريراً بعنوان “قتلوا بدم بارد”، يكشف للمرة الأولى عن وجود مقبرة جماعية جنوب مدينة العريش، قالت إن الجيش المصري هو من أنشأها وأخفاها لسنوات طويلة.

التقرير، الذي أعد بالتعاون مع منظمة Forensic Architecture البريطانية، أشار إلى أنّ المقبرة تضم مئات الجثث لمواطنين قتلوا خارج نطاق القانون خلال الحرب التي شنها النظام المصري على تنظيم “ولاية سيناء” ما بين 2013 و2022.

المؤسسة الحقوقية أكدت أنها حاولت التواصل مع الحكومة المصرية، مقترحة التوصل إلى تسوية تقوم على تشكيل لجنة تقصّي حقائق مستقلة مقابل حجب التقرير، إلا أن السلطات لم ترد، ما دفعها إلى نشر الأدلة والصور والشهادات التي وثقتها. هذه المعطيات تعيد إلى الواجهة ملف الانتهاكات الممنهجة التي ارتكبها النظام في سيناء، وتضع رأس النظام عبد الفتاح السيسي في موقع الاتهام المباشر بصفته مجرم حرب متورطاً في جرائم ضد الإنسانية.

تفاصيل المقبرة وتحليل الأدلة

أظهر التقرير أنّ المقبرة الجماعية تحتوي على أكثر من 300 جثة، بينما تمكن فريق المؤسسة من توثيق رفات 36 ضحية فقط، بسبب التحصينات العسكرية التي تمنع الوصول الكامل للمكان. الضحايا كانوا مدنيين بكامل ملابسهم، وبعض الجماجم حملت آثار عصابات على العينين، في دلالة واضحة على تعرضهم لعمليات إعدام ميدانية.

منظمة Forensic Architecture استخدمت صوراً فضائية بين عامي 2005 و2023، وتبين أنّ الموقع شهد عمليات دفن متكررة خصوصاً بين 2015 و2017، بالتزامن مع أشد الحملات العسكرية دموية في سيناء.

كما استعان الفريق بتقنيات ثلاثية الأبعاد لإعادة بناء الموقع، ما سمح بتحديد مواقع الجثث وطرق الدفن السطحي، التي تؤكد أن الأمر لم يكن نتيجة معركة، بل جريمة قتل متعمد.

الأدلة لم تقتصر على الصور، إذ اعتمد التقرير أيضاً على شهادات مقاتلين سابقين في الميليشيات الموالية للجيش، قالوا إنهم كانوا ينقلون معتقلين إلى المقبرة بعد احتجازهم في معسكرات الزهور والكتيبة 101، حيث كان مصير من يشتبه بعلاقته بتنظيم “ولاية سيناء” الإعدام دون محاكمة. أحد الشهود قال: “كلمة واحدة مني كانت كفيلة بإنهاء حياة إنسان”، في اعتراف يختزل طبيعة الانتهاكات.

سياق أوسع: عقود من الإفلات من العقاب

منذ بدء العمليات العسكرية في سيناء عام 2013، دأبت السلطات المصرية على إعلان “تصفية إرهابيين” في بيانات رسمية. غير أنّ التقرير الحقوقي الجديد يفنّد هذه الرواية، كاشفاً أنّ آلاف الضحايا كانوا مدنيين أو معتقلين سابقين، أُعدموا تحت غطاء “الاشتباكات”.

إحصاءات مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان تشير إلى مقتل 5053 شخصاً وصفتهم السلطات بـ”العناصر الإرهابية”، واعتقال نحو 14,837 آخرين. لكن تقديرات بحثية تؤكد أن أعداد مقاتلي تنظيم “ولاية سيناء” لم تتجاوز 1500 عنصر في ذروة نشاطه، ما يعني أنّ آلاف الضحايا كانوا مدنيين أبرياء.

التقرير يوثق أنماطاً ممنهجة من الانتهاكات: اعتقالات عشوائية، إخفاء قسري، تعذيب، وعمليات إعدام ميدانية للأطفال والنساء والرجال على حد سواء. هذه الممارسات تضع النظام في خانة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وفق القانون الدولي واتفاقيات جنيف التي تُجرم القتل خارج القانون.

مسؤولية النظام والسيسي كـ”مجرم حرب”

يحمّل التقرير الجيش المصري والشرطة والأجهزة الأمنية المسؤولية المباشرة عن هذه الجرائم، التي جرت بعلم وتخطيط السلطات العليا في القاهرة. وبالنظر إلى التسلسل القيادي، فإن المسؤولية تصل رأساً إلى عبد الفتاح السيسي بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.

تصريحات أحمد سالم، المدير التنفيذي للمؤسسة، جاءت حادة: “الأدلة على وجود المقبرة الجماعية ستبقى جرحاً دامياً لا يندمل إلا بالعدالة. هذه الانتهاكات نفذتها قوات الجيش والشرطة في ظل غياب كامل للمساءلة.” هذه الكلمات تعني أنّ السيسي لم يعد مجرد حاكم استبدادي، بل مجرم حرب يجب أن يُقدّم للعدالة الدولية.

البعد الدولي والضغط المطلوب

التقرير دعا مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة، واعتبر أن السكوت عن هذه الجرائم يرسخ سياسة الإفلات من العقاب. كما شدد على أن استمرار الدعم الغربي للنظام المصري، سواء بالمساعدات العسكرية أو السياسية، يجعل الدول الداعمة شريكة ضمنياً في التغطية على هذه الانتهاكات.

وفق المواثيق الدولية، فإنّ القتل الميداني والإخفاء القسري والدفن السري هي جرائم لا تسقط بالتقادم، ما يعني أن النظام المصري قد يواجه عاجلاً أم آجلاً محاكمات دولية شبيهة بمحاكمات يوغوسلافيا أو رواندا.

خاتمة: ذاكرة مفتوحة على العدالة

يكشف تقرير مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان عن جرح سيناوي غائر ظلّ مستوراً لسنوات. مقبرة العريش الجماعية ليست مجرد موقع لدفن جثث مجهولة، بل شاهد حي على سنوات من القمع والقتل المنهجي الذي مارسه النظام.

إنّ تسمية السيسي بـ”مجرم حرب” لم تعد مجرد توصيف إعلامي، بل استنتاج منطقي يستند إلى الأدلة الميدانية والشهادات والوثائق. شمال سيناء اليوم لا تحمل فقط رائحة الدم، بل أيضاً رسالة إلى المجتمع الدولي بأن العدالة المؤجلة لن تُنسى، وأن المقابر الجماعية هي الدليل الصارخ على أن الحرب التي شنها النظام لم تكن ضد “الإرهاب”، بل ضد الإنسانية ذاتها.

اقرأ أيضًا : نتنياهو يطالب ترامب بالضغط على الجيش والسيسي يؤكد التزامه بمعاهدة السلام.. هل نحن أمام بوادر حرب؟!