بقلم/ أحمد محمد أحمد

في خطوة اعتبرها مراقبون ردًا مباشرًا على الضغوط الإسرائيلية الأخيرة، أصدرت الهيئة العامة للاستعلامات المصرية بيانًا يوضح حقيقة انتشار القوات المسلحة في شبه جزيرة سيناء.

البيان شدّد على أن الهدف الرئيسي من تعزيز الوجود العسكري هناك هو تأمين الحدود المصرية ضد المخاطر المتزايدة، وعلى رأسها الإرهاب وعمليات التهريب، مؤكّدًا أن هذه التحركات تأتي في إطار التنسيق المسبق مع أطراف معاهدة السلام الموقعة عام 1979. وأوضحت القاهرة أنها، على مدار تاريخها، لم تخرق أي اتفاق أو معاهدة دولية، بل تظل حريصة على احترام التزاماتها مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

البيان المصري جاء في توقيت حساس، حيث تتصاعد الاتهامات من جانب حكومة الاحتلال الإسرائيلي بأن التحركات العسكرية الأخيرة تمثل “انتهاكًا جوهريًا” لاتفاقية كامب ديفيد، في وقت تعيش فيه المنطقة توترًا متصاعدًا بسبب حرب غزة ومحاولات الاحتلال فرض وقائع جديدة على الأرض.

إسرائيل تضغط عبر واشنطن: “قلق شديد” من تحركات الجيش المصري

موقع “أكسيوس” الأمريكي كشف أن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو سلّم لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قائمة بأنشطة مصرية في سيناء اعتبرها تهديدًا مباشرًا لإسرائيل. ونقل الموقع عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين أن نتنياهو طلب من إدارة ترامب التدخل للضغط على مصر من أجل تقليص الحشد العسكري في سيناء، زاعمًا أن القاهرة تبني “بنية تحتية عسكرية” قد تُستخدم لأغراض هجومية، رغم أن نصوص الاتفاقية تسمح فقط بوجود قوات بأسلحة خفيفة في بعض المناطق.

هذه الاتهامات الإسرائيلية تعكس هاجسًا أمنيًا متكررًا لدى الاحتلال، إذ يدرك قادته أن معادلة كامب ديفيد منحت إسرائيل منذ أربعة عقود منطقة حدودية منزوعة السلاح، تمثل درعًا أمام أي تهديد عسكري مصري محتمل. ومع ذلك، فإن عودة الجيش المصري بقوة إلى المشهد الحدودي، تحت غطاء مواجهة الإرهاب، يُنظر إليها في تل أبيب باعتبارها تحولًا مقلقًا يخلّ بالتوازن الذي أرسته المعاهدة.

اللافت أن الموقع أشار إلى أن المحادثات المباشرة بين مصر وإسرائيل لم تحقق تقدمًا، ما دفع الأخيرة إلى طلب تدخل أمريكي، في مؤشر على عمق الخلاف بين الطرفين. ورغم ذلك، نفى مسؤول مصري للموقع أن تكون إدارة ترامب قد أثارت هذه القضية مؤخرًا مع القاهرة، في محاولة واضحة لقطع الطريق على الرواية الإسرائيلية.

القاهرة: رفض التهجير وتمسك بحل الدولتين

البيان المصري لم يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل تطرق أيضًا إلى الملف الفلسطيني، مجددًا رفض القاهرة القاطع لأي خطط لتوسيع العمليات العسكرية في غزة أو تهجير الفلسطينيين إلى سيناء. وأكدت مصر أنها تساند بشكل كامل حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفقًا لمبدأ حل الدولتين.

هذا الموقف يعكس خشية مصر من محاولات الاحتلال تحميلها تبعات الحرب في غزة عبر دفعها لاحتضان مئات الآلاف من النازحين الفلسطينيين، وهو ما تعتبره القاهرة تهديدًا مباشرًا للأمن القومي وخرقًا للثوابت الوطنية.

تحذيرات من انهيار ركيزة الأمن الإقليمي

مقال في مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية حذّر من أن سياسة نتنياهو الحالية تضع العلاقات المصرية–الإسرائيلية على المحك، وتهدد بتقويض أحد أعمدة الأمن الإقليمي. المقال، الذي شارك في كتابته دبلوماسي إسرائيلي متقاعد وباحث في معهد “ميتفيم”، أكد أن حرب غزة منذ انطلاق عملية “طوفان الأقصى” أعادت رسم خريطة الديناميات الإقليمية لإسرائيل، خصوصًا بعدما تدهورت علاقاتها مع القاهرة بشكل متسارع.

وذهب الكاتبان إلى أن إسرائيل أضعفت روابطها الإستراتيجية مع مصر عبر قرارات أحادية خلال العامين الماضيين، الأمر الذي يهدد بتقويض الإطار الإستراتيجي الذي أرسته اتفاقيات كامب ديفيد قبل أكثر من أربعة عقود. وفي المقابل، ترى مصر أن أي غزو بري إسرائيلي لغزة يشكّل تهديدًا وجوديًا لها، ما يجعلها أكثر حساسية لأي تحركات إسرائيلية تستهدف فرض سيناريو التهجير نحو سيناء.

ما وراء الخطاب الرسمي: مخاوف الاحتلال من “هبة الجيش المصري”

رغم أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يُتهم من قبل معارضيه بالتماهي مع الرغبات الإسرائيلية والأمريكية، إلا أن المؤسسة العسكرية المصرية لا تزال في نظر الاحتلال عنصرًا مقلقًا. فالتجربة التاريخية أثبتت أن الجيش المصري، إذا ما شعر بتهديد مباشر، قادر على قلب المعادلة في أي لحظة.

الاحتلال لا يخشى الخطابات الرسمية أو التصريحات الدبلوماسية، بقدر ما يخشى احتمالية تحرك الجيش المصري خارج الإطار المرسوم له. فالتاريخ العسكري بين الطرفين، من حروب 1948 وحتى حرب أكتوبر 1973، ترك جرحًا استراتيجيًا عميقًا لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي تدرك أن أي تغيّر في العقيدة المصرية أو أي انفلات من قيود كامب ديفيد قد يُعيد تهديد “الجبهة الجنوبية” إلى الواجهة.

خاتمة: معادلة هشة تحت ضغط التوازنات

يمكن القول إن انتشار القوات المصرية في سيناء يعكس محاولة القاهرة الموازنة بين ضرورات الأمن الداخلي والتزاماتها الإقليمية. فمصر تدرك أن سيناء تمثل خاصرتها الرخوة أمام الإرهاب والتهريب، لكنها في الوقت نفسه تسعى لتفادي أي مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو خرق واضح لمعاهدة السلام.

لكن ما يزيد الموقف تعقيدًا هو إصرار إسرائيل على قراءة أي تحرك مصري في سيناء باعتباره تهديدًا مباشرًا، في وقت تحاول فيه فرض سيناريوهات تهجير فلسطينيين إلى سيناء، وهو ما تعتبره القاهرة “خطًا أحمر”. وبين هذا وذاك، يبقى المشهد الإقليمي محكومًا بمعادلة هشة، حيث لا يحتاج الأمر إلا لشرارة واحدة كي يتحول التوتر الصامت إلى أزمة مفتوحة.

اقرأ أيضًا : هل يجرؤ “الشيوخ الأمريكي” على فرض اعتراف بدولة فلسطينية على ترامب؟