جاءت كلمات الرؤساء والزعماء في الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2025 محمّلة برسائل إنسانية وسياسية قوية، أبرزها ما يتعلق بالمأساة المستمرة في قطاع غزة. فبعد مرور 23 شهرًا على حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي، كانت صور النزوح الجماعي، المستشفيات المدمرة، والأطفال الجياع هي العنوان الأبرز على منصة الأمم المتحدة.
أربعة أصوات تصدّرت المشهد: الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، والرئيس السوري أحمد الشرع.
ورغم اختلاف توجهاتهم، فإن غزة وحدت خطاباتهم وجعلت القاعة الدولية شاهدة على اتهامات متبادلة، ومواقف إنسانية غاضبة، ودعوات إلى تحرك عالمي عاجل.

أردوغان: “بصفتي رجب طيب أردوغان، داخلي يحترق”
في كلمة مؤثرة استحوذت على اهتمام الحاضرين، أطل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بصورة عرضها على الحضور أمام قادة العالم.
لم تكن مجرد صورة عابرة، بل توثيق للحياة اليومية في غزة: نساء يحملن أواني الماء، أطفال مبتورو الأطراف، ومستشفيات مدمرة. وتساءل أردوغان بحدة: “في عام 2025، هل يمكن أن يكون هناك أي سبب معقول لهذه القسوة؟”
أردوغان لم يكتف بالوصف، بل نقل إحساسه الشخصي قائلاً: “بصفتي طيب أردوغان، داخلي يحترق وأشعر بالحزن الشديد”، مشيرًا إلى صور الأطفال بعمر عامين أو ثلاثة وقد بُترت أذرعهم وأرجلهم من دون تخدير. وهاجم صمت العالم قائلاً: “أي ضمير يقبل هذا؟ أي ضمير يصمت إزاء هذا؟”
وتحوّلت كلمته إلى صرخة إنسانية، لامست مشاعر الآباء والأمهات في العالم أجمع: “إذا وكزت شوكة صغيرة يد طفل، أمه وأبوه يحترق قلبهما. لكن في غزة، تُبتر الأيادي والأرجل من دون علاج أو تخدير.” كلمات أردوغان جسدت المأساة بعمق إنساني، ورسخت صورة غزة كجرح مفتوح في ضمير العالم.
أحمد الشرع: الصمت شراكة في الجريمة
الرئيس السوري أحمد الشرع ركّز في كلمته على فضح التواطؤ الدولي، مؤكداً أن “الصمت يساوي الشراكة في الجريمة”. شدد على أن تقاعس الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في اتخاذ خطوات عملية لوقف الحرب في غزة يمثل خيانة للمبادئ التي تأسست عليها المنظمة وأدان انتهاكات إسرائيل في سوريا.
الشرع قال إن تقارير المنظمات الحقوقية لم تعد تكفي، وإن المأساة التي يعيشها 2.5 مليون فلسطيني تحت الحصار والقصف اليومي يجب أن تدفع العالم لاتخاذ خطوات قانونية وعملية ضد الاحتلال، بما في ذلك محاكمة المسؤولين عن الجرائم أمام محكمة الجنايات الدولية.
واعتبر أن الأمم المتحدة، في حال استمرارها بهذا الأداء الباهت، ستفقد شرعيتها التاريخية كمنصة لصون السلم والأمن الدوليين.
الرئيس الكولومبي: “اليوم نحتاج الكلمات والسلاح معًا”
أما الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو فقد ألقى خطابًا شديد اللهجة، وهاجم دونالد ترامب مباشرة، قائلاً إنه ليس فقط متواطئًا، بل شريكًا في الإبادة الجماعية.
وأوضح أن ترامب سمح بقصف الشباب في الكاريبي، وزجّ بالمهاجرين في السجون مقيدين بالسلاسل، كما سمح باستخدام الصواريخ ضد الأطفال والنساء في غزة.
وأضاف الرئيس الكولومبي: “اليوم نحتاج الكلمات والسلاح معًا، لا إلى القبعات الزرقاء غير المدربة التي ترفض أحيانًا القيام بما هو مطلوب.” ودعا إلى تشكيل قوة دولية مسلحة لحماية الفلسطينيين، مؤكدًا أن الإنسانية لا يمكن أن تستمر صامتة بينما يُباد شعب بأكمله.
كان خطابه بمثابة صدمة في القاعة، إذ تجاوز حدود الخطاب التقليدي ليضع العالم أمام معادلة واضحة: إما الحماية الفعلية، أو التواطؤ الصامت.
ترامب: دفاع باهت وانتقادات لاذعة
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لم يقدم خطابًا مقنعًا أمام سيل الانتقادات. حاول التركيز على “أمن الولايات المتحدة” و”مكافحة الإرهاب”.
وعلى الرغم من محاولاته التملص، فإن ترامب وجد نفسه في مواجهة سردية جديدة داخل الأمم المتحدة: أن سياسات أمريكا، سواء في غزة أو في مناطق أخرى، تغذي الأزمات بدل حلها.
تصريحات خصومه أعادت تسليط الضوء على تاريخه مع سياسات الهجرة الصارمة، والقصف خارج القانون الدولي، ما جعل خطابه باهتًا مقارنة بحدة المواقف الأخرى.
غزة: قلب النقاش العالمي
القاسم المشترك بين جميع الخطابات كان غزة. فالمأساة المستمرة منذ نحو عامين ونصف فرضت نفسها على جدول الأعمال الدولي، حتى وإن حاول البعض التهرب من المسؤولية. الكلمات التي ألقاها أردوغان والشرع والرئيس الكولومبي رسمت صورة دامغة لانتهاكات الاحتلال:
- نزوح يومي لسكان القطاع.
- بنية تحتية صحية منهارة بفعل استهداف الأطباء والمستشفيات.
- أطفال يموتون جوعًا أو بسبب نقص الدواء.
- صمت عالمي يرقى إلى التواطؤ.
هذه العناصر جعلت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة، وربما كما لم تكن منذ عقود، في منصة الأمم المتحدة.
تحليل: ما بين الخطاب والواقع
رغم قوة الكلمات، يظل السؤال معلقًا: هل تتحول هذه الصرخات إلى خطوات عملية؟ تاريخ الأمم المتحدة حافل بالقرارات غير المفعلة، لكن ضغط الشارع العالمي وحملات المقاطعة قد يغير هذه المرة قواعد اللعبة.
كلمة أردوغان جسدت الجانب الإنساني المأساوي، بينما ركز الشرع على البعد القانوني، أما الرئيس الكولومبي فقدّم مقترحًا عمليًا يتمثل بتشكيل قوة مسلحة دولية.
خاتمة: صرخة غزة تتجاوز المنصات
قمة الأمم المتحدة قد تدخل التاريخ باعتبارها محطة مفصلية في إعادة طرح القضية الفلسطينية بوصفها قضية إنسانية عالمية لا تخص العرب وحدهم. كلمات القادة كشفت التناقضات بين خطاب القوة وخطاب الإنسانية، وأظهرت أن غزة لم تعد مجرد ملف سياسي بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لضمير العالم.
إذا تحركت الأمم المتحدة، فقد يكون ذلك بداية مسار جديد نحو حماية المدنيين ومحاسبة الجناة. وإذا ظل الصمت سيد الموقف، فسيظل ما قاله أردوغان معلقًا في الأذهان: “أي ضمير يقبل هذا؟”
اقرأ أيضًا : عباس يكرر نهج أوسلو: دولة بلا سلاح.. وصفقة جديدة لتسليم فلسطين