في مشهد يعكس التحول في موازين المعركة، أعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، عن تنفيذ سلسلة كمائن معقدة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقتي خانيونس ورفح جنوبي قطاع غزة، أوقعت خلالها قتلى وجرحى في صفوف الجيش رغم فارق الإمكانيات والعتاد. 

العمليات التي استخدمت فيها القسام تكتيكات المفخخات والاشتباك من نقطة الصفر، كشفت هشاشة الجيش الإسرائيلي أمام أساليب المقاومة، وأعادت التأكيد على أن الأرض ما زالت تحمل مفاجآت قاتلة لكل غازٍ.

كمين الفراحين: ضربة موجعة من نقطة الصفر

في بيان مفصل، قالت كتائب القسام إنها نصبت كميناً مركباً لقوة هندسية إسرائيلية راجلة قرب السياج الفاصل في منطقة الفراحين شرق خانيونس. 

ووفق الرواية، استُدرجت القوة إلى منطقة تم تحديدها بدقة، ليتم استهدافها بقذيفة مضادة للأفراد، أعقبه اشتباك مباشر من مسافة صفر بأسلحة رشاشة، أدى إلى سقوط عناصرها بين قتيل وجريح.

لم تكتف القسام بذلك، بل أعلنت عن استهداف دبابتين صهيونيتين وجرافة عسكرية بقذائف الياسين 105، وهو سلاح محلي الصنع أثبت فاعليته رغم بدائيته مقارنة بالترسانة الإسرائيلية المتقدمة. 

هذه الضربات الدقيقة تعكس، من جهة، مدى معرفة المقاومة بتضاريس المنطقة، ومن جهة أخرى، انكشاف تحركات الاحتلال رغم محاولاته الاعتماد على التكنولوجيا والاستطلاع الجوي.

كمائن رفح: هندسة قتالية تتفوق على الذكاء الاصطناعي

في تطور آخر جنوباً، قالت كتائب القسام إنها أوقعت قوة راجلة أخرى في كمين محكم قرب مسجد الزهراء في حي الجنينة شرق رفح. الكمين بدأ باستدراج وحدة هندسية إسرائيلية إلى فوهة نفق مفخخ جرى تفجيره لاحقاً بالجنود المتقدمين، ما أدى إلى وقوع عدد منهم قتلى وجرحى، ثم أعقبه هجوم بأسلحة رشاشة وقذائف مضادة للدروع استهدفت دبابتين.

وفي حادثة أخرى في المنطقة ذاتها، فجّرت القسام منزلاً مفخخاً أثناء مرور قوة مشاة للاحتلال، وأسفرت العملية عن قتلى وجرحى بحسب البيان. كما أعلنت عن استهداف دورية مؤلفة من 6 جنود بعبوة مضادة للأفراد، مؤكدة إصابتهم جميعاً.

هذه العمليات توضح اعتماد المقاومة على شبكة واسعة من الكمائن المرتبطة ببعضها بشكل تكتيكي، والتي لا تُنفذ بطريقة عشوائية، بل تعتمد على حسابات دقيقة في التوقيت والمسار والتضليل، ما يثير تساؤلات كبيرة حول كفاءة استخبارات الجيش الإسرائيلي في الميدان.

التفوق المعنوي يكسر التكنولوجيا

بعيداً عن أرقام القتلى والجرحى، فإن الرسالة الأهم التي بعثت بها هذه الكمائن هي أن فارق العتاد ليس حاسماً في حروب العصابات والمدن. فرغم امتلاك الاحتلال طائرات الاستطلاع، والروبوتات القتالية، وأنظمة الرصد الليلي والحراري، إلا أن الجنود يظلون فريسة سهلة لتكتيكات تعتمد على المفاجأة والبساطة والاقتحام المباشر.

ما يزيد من وقع هذه الضربات هو ما أعلنه جيش الاحتلال ذاته عن مقتل ضابط وجندي، وإصابة ثلاثة آخرين في عمليات منفصلة، خلال الـ24 ساعة الماضية. وعلى الرغم من أن الجيش عادة ما يتكتم على خسائره، إلا أن تصاعد وتيرة هذه الإعلانات تشير إلى تصاعد الخسائر على الأرض.

من زاوية أخرى، تظهر هذه العمليات حجم الإرباك في صفوف جنود الاحتلال، الذي باتوا يتحركون في مناطق الجنوب كأنهم في “أرض ملغومة”، حيث لا يمكن الثقة بأي منزل أو حفرة أو زاوية.

هذا الخوف من المجهول يُضعف الروح المعنوية ويؤثر على قدرتهم على اتخاذ القرار، في وقت تقاتل فيه المقاومة على أرضها ومعنوياتها في ذروتها، مدفوعة بدافع البقاء والكرامة.

الخاتمة: مقاومة تُفاجئ العالم

ما حدث في خانيونس ورفح ليس مجرد سلسلة من الاشتباكات، بل هو رسالة سياسية وعسكرية بأن الحسم البري في غزة لا يمكن أن يكون في صالح الاحتلال، مهما امتلك من قوة وتكنولوجيا.

الكمائن المعقدة، والاستنزاف اليومي، والاختراقات النفسية في صفوف الجنود، كلها عوامل تعيد تشكيل المشهد، وتكشف هشاشة العقيدة القتالية للاحتلال.

وفي المقابل، تؤكد هذه المعارك أن المقاومة الفلسطينية لم تعد مجرد مجموعات مقاتلة، بل أصبحت جيشاً منظماً بتكتيكات قتالية متقدمة، يمتلك خبرة ميدانية، ويعرف كيف يوظف موارده المحدودة لتحقيق أكبر الخسائر في صفوف العدو.

قد تكون المعركة غير متكافئة من حيث العتاد، لكنها بالتأكيد ليست كذلك في الإرادة والقدرة على المبادرة، وهذه هي المعادلة التي تفاجئ العالم حتى اليوم.

اقرأ أيضًا : جنود الاحتلال فرّوا من شاطئ زيكيم.. والمقاومة سطّرت ملحمة بطولية