في مشهد أعاد للأذهان تكتيكات حرب العصابات الأكثر جرأة، بثت قناة الجزيرة مشاهد حصرية لكمينين نوعيين نفذتهما كتائب القسام – الذراع العسكري لحركة حماس – ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة. هذه المشاهد، التي رصدت بدقة عمليات إغارة وتفجير آليات عسكرية من المسافة صفر، تضع المتابع أمام صورة مغايرة تمامًا لما تسعى إسرائيل إلى ترسيخه حول سيطرتها الميدانية.

الكمائن المركبة.. صدمة استخباراتية وتكتيكية للاحتلال
يوم الجمعة، كان الجنود الإسرائيليون يتحركون بثقة نسبية في منطقة المحطة وسط خان يونس، دون علم بأن أعين المقاومة تراقب كل تحرك. أربعة مقاتلين من القسام تسللوا بين الأنقاض حتى وصلوا إلى نقطة تمركز دبابة ميركافا وناقلة جند. التوثيق يُظهر بوضوح كيف حمل أحدهم عبوة شواظ وتقدم بها نحو الدبابة الإسرائيلية في وضح النهار، وفجرها من المسافة صفر قبل أن يعود إلى تمركزه الآمن.
تلا ذلك تفجير آلية ثانية وسط هتافات “الله أكبر”، ثم تنفيذ كمين جديد استهدف ناقلة جند بقذيفة “الياسين 105″، ليتبعها اشتباك مباشر بالأسلحة الخفيفة مع قوة إنقاذ إسرائيلية وصلت إلى المكان. لم تكن تلك لحظات عابرة، بل عمل عسكري محكم يعتمد على التخفي، الرصد، وتحديد دقيق لنقاط التمركز، ما يشير إلى مستوى عالٍ من الانضباط والتدريب لدى مقاتلي القسام.
أهمية هذه المشاهد لا تكمن فقط في الخسائر المباشرة التي لحقت بجيش الاحتلال، بل في كونها تدحض الرواية الرسمية الإسرائيلية التي تزعم انتهاء العمل المنظم للمقاومة في خان يونس، خصوصًا بعد حملة التدمير الممنهجة التي نفذها الجيش في المدينة.
فشل تكتيكات الاحتلال وتزايد الخسائر البشرية
خلال اليوم ذاته، أعلن الجيش الإسرائيلي عن مقتل جنديين، أحدهما في خان يونس، وجرح أربعة آخرين بينهم قائد سرية. وبينما حاول الإعلام العبري التقليل من حجم الخسائر، كانت الأرقام تتحدث عن نفسها: أكثر من 20 جنديًا وضابطًا إسرائيليًا قتلوا في يونيو/حزيران فقط، بحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت”، وهو ما يجعل هذا الشهر الأكثر دموية في صفوف الجيش الإسرائيلي منذ بداية عام 2024.
تتزامن هذه التطورات مع إعلان إذاعة جيش الاحتلال عن وصول عدد القتلى العسكريين منذ بداية التوغل البري في 27 أكتوبر 2023 إلى 440 جنديا وضابطا، فيما أصيب 6032 آخرين، بينهم 2745 في المعارك البرية داخل قطاع غزة. هذه الأرقام تدق ناقوس الخطر داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية، وتؤكد أن حملة “السحق التام” لم تسحق سوى صورة الردع التي كانت تتفاخر بها حكومة نتنياهو.
كما أن بروز مشاهد الاشتباك القريب من “المسافة صفر” يدل على أن المقاومة تجاوزت حالة الدفاع إلى الهجوم المباشر، حتى وهي تعمل في مناطق مدمرة بالكامل وتحت قصف مستمر، مما يعزز فرضية أن المقاومة لا تزال تمتلك المبادرة الميدانية رغم الضغوط العسكرية والإنسانية.
سرايا القدس تواكب التصعيد والقبة الحديدية تفشل في الردع
بالتزامن مع عمليات القسام، عرضت سرايا القدس – الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي – مشاهد أخرى لكمين مركب ضد رتل عسكري إسرائيلي في شرق حي الشجاعية، تضمن تفجير عبوة ناسفة والاشتباك المباشر مع الجنود. كما بثت مشاهد لعملية شرق خان يونس شملت تفجير آلية والاستيلاء على طائرات مسيّرة إسرائيلية.
هذا التنسيق بين الفصائل، والذي يندرج ضمن تصعيد واضح خلال الشهرين الماضيين، يعكس تجدد الفاعلية العملياتية رغم مرور تسعة أشهر على الحرب. وتشير البيانات إلى أن المقاومة أطلقت 60 صاروخًا باتجاه غلاف غزة منذ استئناف إسرائيل لحملتها في مارس، بينها 6 صواريخ منذ بداية يوليو الحالي.
آخر هذه الضربات، كان استهداف منطقة كيسوفيم بصاروخين من جنوب القطاع، ما أجبر الاحتلال على تفعيل منظوماته الدفاعية دون أن يفلح في منع إطلاق الصواريخ أو تحقيق إصابات دقيقة، بحسب بيان الجيش الإسرائيلي. هذه الضربات تؤكد أن المقاومة لا تزال قادرة على فتح أكثر من جبهة – من خان يونس إلى الشجاعية، ومن الأرض إلى السماء – في وقت واحد.
خاتمة: المقاومة تتحدى المعادلة.. والاحتلال في مأزق مفتوح
كمائن القسام وسرايا القدس الأخيرة تعيد صياغة قواعد الاشتباك في الميدان، وتجبر القيادة الإسرائيلية على إعادة حساباتها بشأن إنهاء الحرب أو التفاوض مع المقاومة من موقع ضعف.
فرغم كل ما تعرضت له غزة من دمار وتضييق، لا تزال فصائلها تحتفظ بزمام المبادرة، وتبرهن في كل مواجهة أن انهيار بنيتها العسكرية ليس إلا وهمًا تروجه تل أبيب لجمهورها. مشاهد الأمس من خان يونس ليست مجرد لقطات عسكرية، بل رسالة سياسية وأمنية تؤكد أن المقاومة ليست فقط موجودة، بل تقاتل ببسالة، وتنتصر من تحت الركام.
اقرأ أيضًا : قوات الاحتلال تواصل بطشها في الضفة.. وعباس يتخاذل