في واحدة من أعقد العمليات التي نفذتها المقاومة الفلسطينية خلال الحرب الجارية على قطاع غزة، أعلنت كتائب عز الدين القسام مسؤوليتها عن كمين محكم شرقي مدينة خانيونس، أدى إلى مقتل ضابط وجندي في جيش الاحتلال الإسرائيلي، ينتميان للواء غولاني الشهير.
الكمين جاء في وقت حساس، إذ تبين أن الضابط القتيل كان قد رُقّي قبل أسبوع فقط، بينما حاول الاحتلال التخفيف من وطأة الخسائر بإخفاء بعض التفاصيل، في حين سارعت القسام، وعلى غير عادتها، إلى نشر بيان مفصل عن العملية.
.jpeg?cache=1717379869325)
الكمين.. تفاصيل دقيقة وبلاغ استثنائي من القسام
عادة ما تتريث كتائب القسام في الإعلان عن تفاصيل عملياتها العسكرية، لكن هذه المرة كان المشهد مختلفًا. فقد سارعت الكتائب إلى نشر بلاغ عسكري مفصل، بعد وقت وجيز من وقوع العملية، ربما لحرصها على إيصال رسالة واضحة: “نحن هنا.. وما زلنا نُبدع في القتال رغم المعاناة”.
وجاء في البلاغ أن مجاهدي القسام نفذوا “كمينًا مركبًا” استهدف ناقلتي جند صهيونيتين بعبوات “العمل الفدائي” داخل قمرتي القيادة، ما أدى إلى احتراق الناقلتين وطاقمهما بالكامل، قبل أن يُستهدف ناقلة ثالثة بقذيفة “الياسين 105” المحلية الصنع، في منطقة عبسان الكبيرة شرق خانيونس.
ما يميز هذا الكمين هو طبيعته المركبة والدقيقة، إذ لم يقتصر على تفجير عبوات ناسفة، بل شمل ضربات متتالية منظمة استهدفت ناقلة ثالثة، في ظل مراقبة جوية دقيقة لتحركات الاحتلال، الأمر الذي يدل على جاهزية استخبارية وميدانية متقدمة للمقاومة، رغم مرور شهور طويلة من الحرب المتواصلة.
خسائر الاحتلال.. ضابط رُقّي قبل أسبوع ومؤشرات لتكتم أكبر
اعترف جيش الاحتلال بمقتل النقيب “أمير سعد”، البالغ من العمر 22 عامًا، وهو ضابط تكنولوجيا وصيانة في لواء غولاني ومن الطائفة الدرزية، إلى جانب الرقيب “إينون نوريئيل فانا”، وهو عنصر في نفس الوحدة. المفارقة أن أمير سعد حصل على ترقيته قبل أسبوع فقط من مقتله، ما يكشف عن حجم المفاجأة التي تلقاها الجيش في الكمين.
ويُشار إلى أن أمير سعد قريب لضابط رفيع قُتل سابقًا وهو “عليم سعد”، نائب قائد اللواء 300 في فرقة الجليل، الذي قتل في هجوم لجهاد إسلامي على حدود لبنان في أكتوبر 2023. هذا الارتباط العائلي يسلط الضوء على الخسائر المتكررة التي تُمنى بها عائلة واحدة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
لكن اللافت أن جيش الاحتلال، ورغم إقراره بالمقتلين، لم يذكر الموقع بدقة، بينما أفادت مصادر عبرية تخطت الرقابة العسكرية أن عدد القتلى أكبر من ذلك، وأن قوات الاحتلال وقعت في “كمين صعب”، ما يشير إلى نية الجيش تقليص حجم الضربة إعلاميًا.
ولم يتوقف الأمر عند القتلى، بل أظهرت مشاهد لاحقة عمليات إخلاء بطائرات مروحية، واستخدام جرافات لدفن الآليات المحترقة، ما يعكس حجم الكارثة التي تعرضت لها القوة المتوغلة.
رسائل القسام وتآكل هيبة لواء غولاني
كمين عبسان الكبير لا يمكن اعتباره عملية اعتيادية في سلسلة الاشتباكات اليومية، بل هو ضربة موجهة لأحد أبرز ألوية النخبة في جيش الاحتلال. لواء غولاني الذي يمثل واجهة القوة البرية الإسرائيلية تعرض لنكسات متكررة منذ بدء الحرب، وها هو يخسر ضابطًا تم ترشيحه لقيادة مستقبلية، في كمين ينم عن تخطيط وتجهيز عسكري فائق.
توقيت العملية يكتسب دلالة خاصة، إذ تأتي بعد إعلان الاحتلال عن السيطرة على معظم خانيونس، ما يعني أن المقاومة ترد على هذه المزاعم بوقائع ميدانية، تؤكد أن المعركة ما زالت مفتوحة، وأن المناطق التي يدعي الاحتلال “تطهيرها” قابلة للاشتعال من جديد، بأدوات بسيطة وخطط مركبة.
كما أن إعلان القسام عن تفاصيل الكمين فورًا ينقل رسالة ثقة بالغة في قدرتها على تحقيق إنجازات نوعية حتى بعد شهور من الحصار والقصف والمجازر، ويضع الاحتلال أمام مأزق جديد في إدارة معركته النفسية والإعلامية.
خاتمة: الكمين الذي هزّ الحسابات العسكرية
بينما يحاول الاحتلال طي صفحة الكمين والتقليل من خسائره، إلا أن الرسائل التي بثّتها القسام واضحة: لا مناطق آمنة، لا انسحاب بلا ثمن، والاشتباك سيبقى مفتوحًا. ومهما حاول الاحتلال فرض معادلات جديدة في خانيونس أو شمال القطاع، فإن المقاومة ما زالت تحتفظ بأوراقها.
وفيما تتكشّف تدريجيًا تفاصيل هذه العملية المؤلمة للاحتلال، يبقى السؤال: كم من الكمائن المشابهة ما زال ينتظر قوات الاحتلال في زوايا غزة المحطّمة، ولكن المقاومة؟ حيّة، تخطط، وتضرب بقوة.
اقرأ أيضًا : الإمارات وراء دمار السودان.. رغم عودة 1.3 مليون نازح، الحرب تواصل قتل المدنيين وتدمير الخدمات