بمشاهد حصرية بثتها قناة الجزيرة، كشفت سرايا القدس – الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي – عن كمين نوعي استهدف ناقلة جند إسرائيلية شرق خان يونس، وتحديدًا في منطقة عبسان الكبيرة. العملية لم تكن مجرد تفجير لعبوة ناسفة، بل كانت كمينًا مركبًا دقيق التخطيط والتنفيذ، يهدف إلى أسر جنود إسرائيليين، في تطور يُعد من أكثر المناورات الميدانية جرأة منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
المشاهد أظهرت مراحل متقدمة من الرصد والتخطيط، من عمليات مسح ميداني لتحركات القوات الإسرائيلية، إلى زرع العبوات وانتظار المقاتلين للحظة المناسبة. في تلك اللحظة الحرجة، ومع مرور ناقلة الجند الإسرائيلية، فجّر المقاتلون عبوة “برق الصدمية المطورة” – وهي تقنية متقدمة نسبيًا تُظهر التطور المستمر لدى المقاومة في تصنيع العبوات وتكييفها مع الظروف الميدانية.

اشتباك ناري.. ومقاومة لا تهزمها الدماء
لم يكن تفجير الناقلة نهاية المطاف، بل بداية للاشتباك المباشر، حيث وثّق الفيديو اشتباكًا مسلحًا دار بين مقاتلي السرايا وجنود الاحتلال عقب الانقضاض على المركبة. الهدف، وفق ما ورد في البيان المصاحب للمشاهد، كان أسر جنود أحياء، لإضافتهم إلى ملف الأسرى الذي بات سلاحًا استراتيجيًا بيد فصائل المقاومة.
لكن، وكما روى أحد القادة الميدانيين لاحقًا، فقد تدخلت آليات إسرائيلية قريبة من الموقع بسرعة حالت دون استكمال عملية الأسر، ما أسفر عن مقتل الجندي الأسير واستشهاد عدد من مقاتلي السرايا. رغم ذلك، تبرز هذه المحاولة كدليل على تحول نوعي في تكتيك المقاومة، والتي باتت لا تكتفي بالدفاع أو الاستنزاف، بل تبادر بهجمات مركبة تستهدف نقاط الضعف الإسرائيلية بجرأة.
تحول استراتيجي.. المقاومة تُباغت وتؤلم
عملية سرايا القدس تأتي ضمن سلسلة متواصلة من العمليات النوعية التي نفذتها فصائل المقاومة في مختلف محاور القطاع خلال الأسابيع الأخيرة. لكن ما يميز هذا الكمين أنه نُفذ في عمق منطقة يُفترض أنها “مؤمنة” من قبل الاحتلال بعد شهور من الاجتياح، ما يطرح تساؤلات حول مدى فعالية السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
فمنذ بدء العملية البرية الإسرائيلية في 27 أكتوبر/تشرين الأول، وقعت قوات الاحتلال في عشرات الكمائن المشابهة، وأُصيبت مئات الآليات، كما أُجبر الجنود على خوض اشتباكات في مناطق ضيقة ومعقدة، دون قدرة على الحسم أو فرض هيبة ميدانية. ووفق أرقام جيش الاحتلال نفسه، قُتل 893 عسكريًا وأُصيب أكثر من 6100، وهي حصيلة ثقيلة بالنظر إلى تقدم إسرائيل التكنولوجي والعسكري.
بل إن فصائل المقاومة تكرر التأكيد أن هذه الأرقام أقل بكثير من الخسائر الحقيقية، مستشهدة بمشاهد التوثيق المصور لعمليات تفجير، كمائن، واشتباكات وجهاً لوجه، يتم فيها القضاء على وحدات كاملة في بعض الأحيان.
تكتيك الأسر.. مفتاح الحرب النفسية والسياسية
ما تسعى إليه سرايا القدس وحماس ليس مجرد تدمير آليات أو قتل جنود، بل خطف جنود أحياء، وهو ما يضرب الاحتلال في عمقه السياسي والمجتمعي. تجربة الجندي الأسير جلعاد شاليط التي انتهت بصفقة “وفاء الأحرار” عام 2011، ما تزال حاضرة في الذاكرة الإسرائيلية، وقد أثبتت كيف يمكن لجندي أسير أن يهزّ الحكومة والشارع على حد سواء.
وتدرك المقاومة هذه النقطة جيدًا، لذا تعهّدت، في أكثر من مناسبة، بزيادة عدد الأسرى الإسرائيليين داخل غزة لفرض شروطها في أي مفاوضات مقبلة، خاصة في ظل التعقيد الحاصل في ملف تبادل الأسرى، الذي يُعد واحدًا من أكثر الملفات حساسية داخل إسرائيل.
جيش هش.. وتضخم إعلامي زائف
الكمين الأخير يسلّط الضوء مجددًا على هشاشة الجيش الإسرائيلي في بيئة قتالية غير نظامية. فعلى الرغم من أن إسرائيل تُسوّق لنفسها كقوة عسكرية “لا تُقهر”، فإن العمليات الميدانية اليومية في غزة تُظهر عكس ذلك. فجنودها يقعون في كمائن بدائية ولكنها محكمة، وآلياتها تُدمر بشكل متكرر، واستخباراتها تفشل في استباق هذه الضربات.
كما أن وتيرة استهداف ناقلات الجنود والدبابات تُشير إلى خلل في منظومة الحماية الجوية الأرضية، بل وحتى في سلوك وحدات المشاة والاقتحام. وإذا كانت سرايا القدس قادرة على تنفيذ كمين بهذا التعقيد بعد تسعة أشهر من الحرب، فهذا يعني أن قدرات المقاومة لم تُستنزف، بل تتطور.
ختام: بين بسالة المقاومين ووهم الاحتلال
تكشف عملية عبسان – بكل تفاصيلها المصورة – عن مشهد يُلخّص معادلة حرب غزة: مقاومة شرسة تبتكر في أساليبها، وجيش احتلال يُظهر كل يوم هشاشته على الأرض رغم ضجيجه الإعلامي. وبين هذا وذاك، تتشكل ملامح انتصار معنوي وسياسي للمقاومة، قد يكون أكثر وقعًا من أي إنجاز عسكري.
وإذا كانت المقاومة قد خسرت أرواحًا في سبيل أسر جندي واحد، فهي تثبت أنها لم تُقِم حسابًا للخسائر ما دامت الغاية أكبر: كسر هيبة المحتل، وتعزيز أوراق التفاوض، وتأكيد أن غزة لم تُهزم – لا بالحصار، ولا بالنار، ولا حتى بأكاذيب النصر.
اقرأ أيضًا : صراخ الجنود.. كمين جباليا يفضح هشاشة الاحتلال ويكشف جسارة المقاومة