في تطوّر لافت يعكس حجم التآكل في الجبهة الداخلية للجيش الإسرائيلي، أصدرت محكمة عسكرية إسرائيلية اليوم الأحد أحكامًا بالسجن على 3 جنود من الكتيبة 931 في لواء ناحال، تراوحت بين أسبوع و12 يوماً، بعد رفضهم الاستمرار في القتال داخل قطاع غزة، رغم مشاركتهم في عدة جولات عسكرية سابقة ضمن العدوان المستمر منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ورغم بساطة العقوبات مقارنة بسياقات الرفض العسكري، فإن دلالاتها أكبر بكثير. فبحسب تقرير هيئة البث الإسرائيلية، فإن هؤلاء الجنود قاتلوا في القطاع لأشهر، وشهدوا مقتل رفاق لهم وتعرضوا لمشاهد وصفها أهاليهم بـ”المأساوية والقاسية”، مما أدى إلى تحوّلات نفسية عميقة. ويعزز ذلك ما صرحت به والدة أحد الجنود بقولها إن “هذه الأمور ستبقى محفورة في أعماقهم إلى الأبد”.

رفض الخدمة لم يقتصر على الجنود النظاميين، بل امتد إلى جنود الاحتياط. فقد أعلنت هيئة البث في وقت سابق عن توقيع عشرات من جنود الاحتياط في سلاح الطب على عريضة أعلنوا فيها رفضهم العودة إلى جبهة غزة. من بين هؤلاء أطباء، ومسعفون، ومسعفون مقاتلون، أكدوا أن السبب الرئيسي لرفضهم المشاركة هو الدعوات الإسرائيلية المتزايدة للاستيلاء على أراضي غزة وإعادة توطينها، ما يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.

اللافت أن هؤلاء الجنود أشاروا كذلك إلى أن “الحرب طالت أكثر من أي منطق عسكري أو إنساني”، وأنها باتت تمزّق المجتمع الإسرائيلي من الداخل وتلحق أضرارًا نفسية جسيمة بجنود لا يزالون في ريعان الشباب، وبأُسرهم التي فقدت الثقة في جدوى الحرب.

الانهيار النفسي داخل الجيش: بيانات رسمية تؤكد انفجار الأزمات النفسية

التمرد الصغير في صفوف الجنود ليس حادثة معزولة، بل هو عرض لحالة تفكك نفسي متسارع داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فقد كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت عن معطيات صادمة نشرتها شعبة إعادة التأهيل في وزارة الدفاع، تشير إلى وجود أكثر من 100 ألف جندي معاق – جسديًا أو نفسيًا – من حروب إسرائيل المختلفة، إلا أن الغالبية العظمى من هؤلاء أُصيبوا منذ بداية العدوان على غزة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

ووفق البيانات، فإن أكثر من 10 آلاف جندي أصيبوا باضطرابات نفسية شديدة خلال الحرب الجارية فقط، ويخضعون حاليًا للعلاج. أما العام 2023 فقد سجّل ذروة هذه الإصابات بأكثر من 9 آلاف حالة، معظمها لدى جنود تقل أعمارهم عن الثلاثين، أي الجيل المفترض أن يشكل عماد الجيش في المستقبل.

وزارة الدفاع باتت تدق ناقوس الخطر بشأن الأعباء النفسية المتزايدة، وسط توقعات بأن ترتفع أعداد المصابين هذا العام أيضًا. وأشارت الصحيفة إلى أن الأطباء النفسيين في الجيش يواجهون ضغطًا هائلًا، فيما بدأ الحديث يتسع في أروقة الجيش عن “أزمة فقدان الروح القتالية”، نتيجة استمرار الحرب دون أهداف واضحة، وفي ظل مقاومة فلسطينية شرسة أربكت كل الحسابات العسكرية والسياسية.

المقاومة تتقدّم.. والاحتلال يتآكل من الداخل

التمرد النفسي في الجيش، والرفض العلني للخدمة، وتزايد الأعداد المتضررة، تشير جميعها إلى هشاشة غير مسبوقة في البنية العسكرية لإسرائيل. ففي الوقت الذي كان يفترض فيه أن تعكس عمليات القصف والدمار “هيبة ردعية” كما تزعم القيادة العسكرية، ظهرت الحقائق على النقيض: جيش ميداني مستنزف، وقيادات مرتجفة أمام مقاومة لا تزال متماسكة بعد 10 أشهر من الحرب.

هذه المعطيات تضاف إلى تصاعد أرقام القتلى والمصابين في صفوف الاحتلال، وإلى تدهور صورته الخارجية وسط اتهامات بالإبادة الجماعية في غزة، ما دفع حتى بعض حلفائه الغربيين إلى التململ من دعمه. المقاومة، من جهتها، تدرك جيدًا أن الرهان لم يعد فقط على الميدان، بل على التفكك النفسي والسياسي في العمق الإسرائيلي، وهو ما بدأت ثماره تظهر في محاكمات علنية لجنود رفضوا القتال، وفي تقارير رسمية تعترف بأن المجتمع العسكري بات على حافة الانهيار.

اللافت أن هذه التحولات تجري وسط استمرار الإبادة الجماعية في غزة، حيث تؤكد التقارير الحقوقية الدولية أن الاحتلال ارتكب آلاف المجازر، تسببت في استشهاد أكثر من 38 ألفًا، بينهم آلاف الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 9 آلاف مفقود، ومجاعة قتلت حتى الآن العشرات بسبب الحصار ومنع المساعدات.

في ظل هذا المشهد، يتزايد الاعتقاد بأن إسرائيل – رغم امتلاكها ترسانة عسكرية ضخمة ودعمًا غربيًا سياسيًا وماليًا غير مسبوق – تخسر الحرب تدريجيًا أمام مقاومة تعرف كيف توظف صمودها وتماسكها ودماء أبنائها، لصنع شروخ لا تلتئم في داخل الكيان.

خاتمة:

الحكم على الجنود الرافضين للقتال ليس مجرد حدث قانوني عسكري، بل هو مؤشر رمزي على أزمة عميقة تهزّ الجيش والمجتمع الإسرائيلي بأكمله. بينما تتهاوى المبررات الأخلاقية والسياسية للحرب، تبرز المقاومة الفلسطينية كقوة لم تنكسر، قادرة لا فقط على الدفاع بل على زعزعة دولة الاحتلال من داخلها.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يعتقل مفتي القدس من داخل المسجد الأقصى: انتهاك سافر لحرمة المقدسات