في ضربة نوعية جديدة تُظهر مرونة المقاومة وتكتيكاتها المتقدمة، أعلنت كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، عن تنفيذ كمين محكم استهدف قوة خاصة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في منطقة أبو الروس شرقي رفح جنوبي قطاع غزة.
الكمين تمثل في تفجير منزل مفخخ مسبقًا، ما أدى إلى وقوع عدد من أفراد القوة ما بين قتيل وجريح، في أول رد ميداني مباشر على الانقلاب الإسرائيلي على التهدئة واستئناف العدوان الوحشي.

كمين مباغت يعيد ترتيب المشهد الميداني
العملية القسامية التي وقعت في ساعات متأخرة من مساء الأحد، بحسب البيان العسكري الصادر عن كتائب القسام، جاءت ردًا مباشرًا على تصعيد الاحتلال الأخير وخرقه لاتفاق وقف إطلاق النار، والذي خلّف حتى اللحظة أكثر من ألف شهيد، جلّهم من النساء والأطفال، إلى جانب مئات الجرحى.
وبحسب التفاصيل، فإن وحدة خاصة إسرائيلية تسللت إلى أحد المنازل في منطقة أبو الروس شرقي رفح، ظنًا منها أنه فارغ، قبل أن تُفاجأ بانفجار ضخم دمّر المنزل بالكامل. وتحدثت مصادر محلية عن أصوات صراخ واستغاثة في أعقاب الانفجار، ما يشير إلى وقوع خسائر مؤكدة في صفوف جنود الاحتلال، في وقت لم يصدر فيه الجيش الإسرائيلي بيانًا رسميًا حول الخسائر، وهو ما يُعد دلالة على حساسية العملية ومفاعيلها المعنوية.
الكمين لم يكن عشوائيًا أو وليد اللحظة، بل كان جزءًا من خطة دفاعية معدة مسبقًا، اعتمدت على تفخيخ منازل معينة بشكل استباقي، تحسّبًا لأي توغل بري أو تسلل لوحدات خاصة. وهو أسلوب باتت كتائب القسام تتقنه بامتياز منذ بداية المعركة، ويشير إلى تطور واضح في العقلية العسكرية للمقاومة التي باتت تمتلك “بنك أهداف عكسي” تجهّز فيه المصائد لا الأهداف فقط.
استمرارية المقاومة وتنوع أساليبها
العملية الأخيرة في رفح ليست منفصلة عن سلسلة عمليات نفذتها المقاومة الفلسطينية منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
فقبل أيام فقط، أعلنت كتائب القسام عن تفجير عبوة ناسفة موجهة في دبابة إسرائيلية شرق خانيونس، ما يؤكد استمرار المقاومة في نهج الاستنزاف الميداني، حتى في ظل الضربات الجوية والضغط الإنساني الهائل.
اللافت أن القسام، رغم الحصار، والدمار الواسع، وفقدان المئات من مقاتليها، لا تزال قادرة على المبادرة وتوجيه ضربات موجعة للعدو، باستخدام أساليب غير تقليدية مثل الكمائن الأرضية، والمنازل المفخخة، وحقول الألغام. كل هذا يشير إلى بنية تنظيمية وعسكرية صلبة ما زالت قادرة على الصمود والمباغتة.
كما أن العملية الأخيرة تحمل رسائل استراتيجية، فهي تقول للاحتلال إن اقتحام رفح لن يكون نزهة، وأن كل منزل قد يتحول إلى فخ قاتل، مما يزيد من المخاوف لدى قادة الجيش ويؤثر بشكل مباشر على الروح المعنوية للجنود. وهو ما يُظهر أن الاحتلال، رغم تفوقه العسكري التكنولوجي، لم يتمكن من تحقيق أهدافه الاستراتيجية في كسر شوكة المقاومة أو القضاء على بنيتها.
دلالات الكمين وتداعياته المحتملة
هذا الكمين يفتح الباب أمام عدة قراءات. فمن جهة، فإنه يبرهن على أن المقاومة، رغم الضربات الشرسة التي تعرضت لها، لا تزال تملك المبادرة وقدرة الرد، بل والقدرة على إرباك خطط الاحتلال في أكثر المناطق حساسية، مثل رفح، والتي يُتوقع أن تكون مسرحًا لعمليات عسكرية برية مكثفة خلال الأيام المقبلة.
ومن جهة أخرى، فإن العملية ستدفع الاحتلال إلى مزيد من التردد في تنفيذ أي توغلات برية، خوفًا من الوقوع في كمائن مشابهة. بل إن هذه الضربات الاستباقية قد تعيد حسابات القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، التي تواجه ضغطًا داخليًا متزايدًا من عائلات الجنود الأسرى والقتلى، إلى جانب حالة التململ المتزايدة في صفوف الجنود.
على الصعيد الإعلامي، فإن كتائب القسام تحرص على تسويق هذه العمليات كجزء من “معركة العقول”، إذ تُظهر كيف أن المقاومة قادرة على مفاجأة العدو بأساليب غير متوقعة. فالإعلام القسامي لم يكتف بالإعلان عن العملية، بل أرفقها بلغة قوية تُظهر ثقة في النفس ورسائل تهديد مبطنة للاحتلال، بأن ما خفي أعظم.
ختام وتحليل استراتيجي
تُظهر هذه العملية الميدانية حجم الورطة التي يعيشها جيش الاحتلال في غزة، فرغم امتلاكه أحدث الأسلحة والدعم الاستخباراتي الأميركي والغربي، إلا أنه عاجز عن السيطرة الميدانية الفعلية أو تحييد فاعلية المقاومة.
إن تفجير منزل مفخخ في قوة خاصة متقدمة، يُعد بمثابة اختراق حقيقي لتكتيكات العدو، ورسالة بأن “البيت الفلسطيني” لا يزال صامدًا، بل ومؤلمًا في وجه الغازي. ومهما بلغت قوة الاحتلال، فإن المقاومة تمتلك الأرض، وتمتلك الإرادة، وتمتلك التفوق الأخلاقي الذي يحوّل البقاء إلى انتصار، والخسارة إلى قوة دافعة للمزيد من الصمود.
ومن هنا، فإن المشهد مرشح لمزيد من المفاجآت، خاصة إذا استمرت المقاومة في العمل وفق خطط استنزافية ذكية، قادرة على تغيير المعادلة وتحويل كل متر مربع في غزة إلى ساحة اشتباك. فكما أثبتت القسام، غزة لا تُحتل بسهولة، والعدو لن يهنأ فيها مهما امتد عدوانه.
اقرأ أيضًا : أبوظبي تدين جرائم هي من صنعتها: وجه مزدوج للنظام الإماراتي الذي يقود حرب الإبادة في دارفور