بعد أكثر من عام ونصف من الحرب المتواصلة والحصار المطبق على قطاع غزة، لا تزال كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس تثبت قدرتها على توجيه ضربات موجعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وسط حالة من التآكل التدريجي في قدرات الاحتلال رغم تفوقه العددي والتكنولوجي.
ففي بيان مقتضب، كشفت كتائب القسام اليوم الأحد عن تفاصيل كمين نوعي نفذته شرق بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، حمل اسم “كسر السيف”، وأسفر عن مقتل جندي إسرائيلي وإصابة عدد آخر، في عملية معقدة تنم عن جاهزية ميدانية عالية وتخطيط دقيق.

تفاصيل العملية – تكتيك مركب وكمين محكم
جاءت عملية “كسر السيف” في توقيت حساس تشهده المعركة على مختلف الجبهات في القطاع، حيث تستميت قوات الاحتلال في البحث عن “إنجاز عسكري” يُحسن من صورة حكومتها المترنحة أمام الشارع الإسرائيلي.
ووفق البيان العسكري لكتائب القسام، فقد تم نصب الكمين شرق بيت حانون باستخدام تكتيك متعدد المراحل. المرحلة الأولى استهدفت جيباً عسكرياً من نوع “Storm”، يتبع لقيادة كتيبة جمع المعلومات القتالية في فرقة غزة، حيث تم تفجيره بقذيفة مضادة للدروع، ما أدى إلى “إصابات محققة” وفق تعبير القسام.
لم يكد الاحتلال يستوعب الضربة الأولى حتى وقعت قواته في المرحلة الثانية من الكمين؛ إذ وصلت قوة إسناد للمكان، فتم تفجير عبوة “تلفزيونية 3” مضادة للأفراد، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى. وأعقب ذلك استهداف موقعٍ مستحدث للعدو في المنطقة بأربع قذائف “RPG”، إلى جانب وابل من قذائف الهاون، ما أدى إلى انهيار منظومة الدفاع المؤقتة التي أقامتها القوة المهاجمة.
هذه العملية تؤكد أن المقاومة لا تزال تمتلك زمام المبادرة الميدانية، وتبرهن أن معادلة الردع التي يسعى الاحتلال إلى فرضها قد سقطت على أبواب بيت حانون.
الاعتراف الإسرائيلي بالخسائر وتضارب الروايات
رغم التعتيم الإعلامي الذي تفرضه الرقابة العسكرية الإسرائيلية على تفاصيل خسائرها في غزة، اضطر جيش الاحتلال إلى الاعتراف بمقتل أحد جنوده، وهو الرقيب أول غالب سليمان النصاصرة (35 عامًا)، الذي يُعد أول قتيل تعلن عنه إسرائيل منذ استئناف حربها بتاريخ 18 مارس/ آذار 2025، بعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار.
ينتمي النصاصرة إلى كتيبة الاستطلاع البدوية، وهي وحدة معروفة بتعاونها الوثيق مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وخاصة في مهام التتبع والمراقبة على حدود غزة. وقد أثار مقتله في كمين القسام تساؤلات داخلية حول جدوى استخدام تلك الوحدات في ميادين القتال المفتوحة.
من جانبه، حاول مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي التخفيف من وطأة الخسارة. وقال المتحدث باسم نتنياهو، عومر دوستري، في مقابلة مع القناة 12 العبرية، إن استعادة كافة الأسرى الإسرائيليين “أمر غير ممكن حاليًا”، مشيرًا إلى أن “الضغط العسكري هو السبيل لتحقيق النتائج”، وهو ما يتناقض مع الواقع الميداني الذي يشي بانزلاق إسرائيل في مستنقع استنزاف طويل الأمد.
صفقة الأسرى.. مأزق الاحتلال ورفض المقاومة للمساومة
من الواضح أن العملية النوعية التي نفذتها كتائب القسام تأتي في سياق تأكيد معادلة المقاومة: لا مساومة على وقف إطلاق النار أو أي صفقة تبادل دون شروط واضحة أبرزها وقف العدوان بشكل نهائي.
وكانت المقاومة الفلسطينية قد التزمت باتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ في 19 يناير/ كانون الثاني 2025، بوساطة مصرية قطرية ودعم أمريكي، إلا أن الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو تراجعت عن تنفيذ المرحلة الثانية منه، والتي كانت تتضمن إطلاق دفعة جديدة من الأسرى الفلسطينيين، ما أدى إلى استئناف العدوان على غزة.
وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن 59 أسيرًا إسرائيليًا ما زالوا في غزة، بينهم 24 فقط يُعتقد أنهم على قيد الحياة، بينما تقبع في السجون الإسرائيلية أكثر من 9500 أسير فلسطيني، يعاني كثير منهم من انتهاكات جسيمة وثقتها تقارير حقوقية، بينها التعذيب والحرمان من العلاج.
وفي المقابل، يتمسك نتنياهو بخطة أمريكية تقضي بإطلاق سراح نصف المختطفين الأحياء في البداية، على أن يتم إطلاق الباقين لاحقًا، وهي صيغة ترفضها المقاومة الفلسطينية بشدة، خاصة في ظل استمرار القصف والمجازر اليومية.
نجاحات المقاومة في عام ونصف من المواجهة
رغم مرور أكثر من 18 شهرًا على اندلاع الحرب، وممارسة الاحتلال أقصى درجات البطش والدمار على المدنيين والبنية التحتية في غزة، إلا أن المقاومة الفلسطينية ما زالت قادرة على تنفيذ عمليات نوعية وتوجيه ضربات دقيقة لقوات الاحتلال، سواء عبر العبوات، أو الكمائن، أو الطائرات المسيرة، أو القنص.
نجاح عملية “كسر السيف” ليس حدثًا معزولًا، بل يندرج ضمن سلسلة طويلة من الكمائن والتكتيكات التي أعادت تشكيل المشهد العسكري على الأرض. فبينما كانت إسرائيل تتحدث في بداية الحرب عن “أيام معدودة لحسم المعركة”، تجد نفسها اليوم في مواجهة مقاومة لا تزال صامدة، وتبتكر أدوات جديدة لإيلام المحتل، وفرض معادلات ردع ميدانية.
ختام وتحليل مستقبلي – المقاومة تثبت صلابة عقيدتها العسكرية
يؤكد كمين “كسر السيف” على أن كتائب القسام باتت تعتمد تكتيكات دقيقة وتنسيقًا عالي المستوى في تنفيذ عملياتها، وتُظهر قدرة متزايدة على استغلال ثغرات جيش الاحتلال رغم كل الإمكانيات التي يحشدها في القطاع.
كما يعكس هذا الكمين الميداني إصرار المقاومة على المضي في المعركة حتى تحقق أهدافها السياسية، وفي مقدمتها وقف العدوان، وتبادل الأسرى، ورفع الحصار، وإعادة إعمار القطاع. وفي ظل استمرار التعنت الإسرائيلي، فإن خيار التصعيد سيظل حاضرًا، وستبقى المقاومة قادرة على جعل كل تقدم ميداني مكلفًا جدًا للاحتلال.
وبينما يعيش نتنياهو مأزقًا داخليًا متصاعدًا نتيجة الفشل في تحرير الأسرى، والانقسام السياسي، والضغط الدولي بسبب استمرار المجازر، فإن المشهد الميداني يشير إلى أن المقاومة لا تزال تمسك بزمام المبادرة، وتفرض معادلات جديدة، تُفشل كل مخططات الاستسلام والهيمنة، وتُبقي الأمل حيًا لدى شعوب المنطقة في قدرة الإرادة على كسر السيف، مهما بدا لامعًا.
اقرأ أيضًا : نزع سلاح المقاومة!.. حين سلّمت الشعوب أسلحتها وقُدِّمت للذبح