في رسالة شديدة اللهجة وجهها إلى وزيرة الخارجية البريطانية يفيت كوبر، عبّر النائب البريطاني المخضرم جيرمي كوربن عن “قلقه العميق” إزاء ما وصفه بـ“المعاناة غير المتخيلة التي يعيشها الشعب السوداني”، محمّلًا الحكومة البريطانية مسؤولية أخلاقية وقانونية عن استمرار الكارثة بسبب مواصلتها بيع السلاح إلى الإمارات العربية المتحدة رغم التقارير الأممية التي تؤكد استخدامها في دعم قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم حرب في السودان.

مأساة إنسانية واتهامات بتمويل القتلة

كوربن استهل رسالته بالتأكيد على أن الشعب السوداني “يعاني ويلات لا يمكن تصورها”، مشيرًا إلى أن التقارير الأخيرة حول المجازر التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر غرب البلاد، تعكس حجم الفظائع التي تضاعف من مأساة حرب أهلية مستمرة منذ أكثر من عامين.

ونقل كوربن عن منظمة هيومن رايتس ووتش أرقامًا صادمة، تفيد بأن نحو 12.9 مليون شخص نزحوا من منازلهم، بينهم 8.9 مليون نازح داخليًا، وأكثر من 150 ألف قتيل نصفهم من الأطفال.

ورأى أن تلك الكارثة الإنسانية لا يمكن فصلها عن “الدور الخارجي الذي يغذي النزاع”، في إشارة إلى الإمارات التي تُتهم من قبل الأمم المتحدة بتزويد قوات الدعم السريع بالسلاح والمعدات.

مطالبة بوقف فوري لصادرات السلاح إلى الإمارات

أبرز ما جاء في رسالة كوربن هو مطالبته الصريحة للحكومة البريطانية بوقف جميع مبيعات الأسلحة إلى الإمارات، مؤكدًا أن استمرار هذه الصادرات “يُعد خرقًا لالتزامات المملكة المتحدة الأخلاقية والقانونية”.

وقال كوربن إن الحكومة البريطانية “ملزمة بوقف تصدير الأسلحة عندما يكون هناك خطر واضح من استخدامها في ارتكاب أو تسهيل الفظائع”، مؤكدًا أن هذا الخطر “قائم وواضح”، مستشهدًا بتقارير مجلس الأمن الدولي التي كشفت وجود معدات عسكرية بريطانية الصنع في ساحات المعارك داخل السودان.

وأضاف كوربن أن منظمة العفو الدولية وصفت استمرار لندن في بيع السلاح إلى الإمارات بأنه “لا يمكن الدفاع عنه”، معتبرًا أن ذلك “يشكل تواطؤًا غير مباشر في جرائم الحرب التي تُرتكب في دارفور والفاشر وغيرها”.

انتقاد دبلوماسي لاذع لـ”مؤتمر لندن للسودان”

وفي جزء آخر من رسالته، وجّه كوربن انتقادًا حادًا لقرار الحكومة البريطانية استبعاد الحكومة السودانية من مؤتمر “لندن للسودان” في أبريل الماضي، في الوقت الذي دُعيت فيه الإمارات.

ووصف هذا القرار بأنه “خطأ تاريخي يقوّض فرص السلام”، لأنه “يتناقض مع التزامات بريطانيا المعلنة بدعم عملية سلام يقودها السودانيون أنفسهم”.

ورأى كوربن أن تجاهل إشراك الأطراف السودانية الشرعية في الحوار، مع منح الإمارات موقعًا مركزيًا في المشهد الدبلوماسي، “يضع بريطانيا في صف من يغذون الحرب لا من يسعون لإنهائها”.

اتهام الحكومة البريطانية بالفشل الأخلاقي والسياسي

كوربن لم يكتفِ بانتقاد السياسات، بل اتهم حكومة بلاده بـ“الفشل الأخلاقي والسياسي” في التعامل مع الأزمة السودانية.

وأشار إلى أن “الحكومة البريطانية لم تفِ بالتزاماتها في دعم الجهود الدولية لخفض التصعيد والدفع نحو حل سياسي”، مضيفًا أن “الأرواح تُزهق يوميًا بينما تكتفي لندن بالتصريحات”.

وشدد على أن “الوقت قد حان لاتخاذ موقف واضح ينهي التناقض بين الخطاب الإنساني والممارسات العملية”، داعيًا إلى تبنّي سياسة خارجية “تضع حقوق الإنسان فوق المصالح التجارية”.

الدعوة إلى تحرك عاجل لإنقاذ السودان

في ختام رسالته، شدد كوربن على ضرورة التحرك العاجل لتحقيق تسوية سلمية في السودان قبل فوات الأوان، قائلاً:

“يجب على الحكومة البريطانية أن تدعم الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار الفوري وإنهاء دوامة العنف، بدل الاكتفاء بالدبلوماسية الشكلية. لقد فقد السودان ما يكفي من الأرواح، وحان الوقت لحل حقيقي يُنهي هذا البؤس الإنساني”.

كوربن دعا كذلك إلى مراجعة شاملة للسياسة البريطانية في المنطقة، مؤكدًا أن استمرار “الموقف المتناقض” لبريطانيا يضر بمصداقيتها الدولية، ويجعلها “شريكة في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث”.

تحليل سياسي: رسالة كوربن صفعة لسياسة لندن الخارجية

تحمل رسالة كوربن دلالات أعمق من مجرد موقف إنساني؛ فهي تمثل هجومًا مباشرًا على العقيدة الخارجية البريطانية بعد البريكست، التي باتت تميل إلى عقد تحالفات تجارية مع أنظمة استبدادية مقابل المصالح الاقتصادية.

فالرسالة تربط بين تجارة السلاح البريطانية والفظائع في السودان، لتضع الحكومة أمام مسؤولية قانونية أمام الرأي العام والبرلمان البريطاني.

كما تعكس الرسالة محاولة كوربن إعادة إحياء النقاش حول أخلاقيات السياسة الخارجية البريطانية، في وقت تواجه فيه الحكومة انتقادات مشابهة بسبب دعمها العسكري غير المباشر لإسرائيل في حرب غزة.

خلاصة

يضع جيرمي كوربن حكومة بلاده في موضع الاتهام بالتواطؤ مع قوى إقليمية تغذي الحرب في السودان، ويطالبها بخطوات ملموسة تبدأ بوقف تصدير الأسلحة إلى الإمارات ومراجعة سياستها الخارجية تجاه المنطقة.

وفي ظل تصاعد جرائم الدعم السريع وتفاقم الكارثة الإنسانية في دارفور والفاشر، تأتي رسالته لتعيد تسليط الضوء على دور لندن في الأزمة، ليس كوسيط للسلام، بل كطرف يتحمل نصيبًا من المسؤولية عن استمرار النزيف السوداني.

اقرأ أيضًا : المقرب من السيسي يطبع مع الاحتلال.. زاهي حواس يجري مقابلة مع قناة إسرائيلية