في خطوة لافتة تحمل أبعادًا سياسية ودبلوماسية ورسائل رمزية شديدة الوضوح، أعلنت كولومبيا تعيين أول سفير لها لدى دولة فلسطين، وهو خورخي إيفان أوسبينا، السياسي المعروف بانتمائه اليساري ونجل أحد قادة منظمة مسلحة يسارية شهيرة، في وقت تستمر فيه أنظمة عربية في التطبيع العلني أو الصمت المريب تجاه العدوان الإسرائيلي المستمر على الفلسطينيين، لا سيما في غزة.

التعيين الذي تم الإعلان عنه رسميًا عبر مرسوم وقّعته وزيرة الخارجية الكولومبية لورا سارابيا، جاء بعد أن وافقت السلطة الفلسطينية مطلع الشهر الجاري على اعتماد أوسبينا ممثلاً رسميًا لدولة كولومبيا في الأراضي المحتلة، ما يعد تتويجًا لسلسلة مواقف أطلقها الرئيس الكولومبي اليساري غوستافو بيترو منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة، في أكتوبر 2023، واشتدت خلال عام 2024.

أوسبينا.. من سلالة المقاومة إلى قلب فلسطين

خورخي إيفان أوسبينا ليس شخصية دبلوماسية تقليدية، بل هو ابن المناضل الكولومبي إيفان مارينو أوسبينا، أحد مؤسسي وقادة منظمة “إم-19” المسلحة التي خاضت صراعًا سياسيًا وعسكريًا ضد الأنظمة اليمينية في كولومبيا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

كما أن أوسبينا نفسه كان رئيسًا لبلدية كالي، ثالث أكبر مدينة كولومبية، ويتمتع بحضور سياسي وشعبي واسع، وارتبط طوال مسيرته بالدفاع عن حقوق المهمشين والعدالة الاجتماعية.

تعيينه سفيرًا في فلسطين لا يعكس فقط موقف الرئيس بيترو من القضية الفلسطينية، بل يحمّل المنصب رمزية ثورية غير مسبوقة في المشهد الدبلوماسي المعاصر، إذ يمثل انتقال روح المقاومة في أمريكا اللاتينية لتجتمع مع مقاومة الشعب الفلسطيني، في وجه ما وصفه بيترو بـ”الإبادة الجماعية” التي تنفذها حكومة بنيامين نتنياهو ضد الفلسطينيين.

بيترو.. رئيس من كوكب آخر في زمن التواطؤ العربي

منذ وصوله إلى السلطة، سعى غوستافو بيترو إلى إعادة تعريف السياسة الخارجية الكولومبية بما يتناسب مع مبادئ العدالة، وظهر كواحد من أكثر الزعماء العالميين جرأة في مناصرة الشعب الفلسطيني. 

ففي منتصف 2024، أعلن رسميًا قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الاحتلال، في خطوة لم تجرؤ عليها أي دولة عربية باستثناء الجزائر وبعض الحالات الرمزية.

لم يكتفِ بيترو بذلك، بل صرّح بأن “الشعب الفلسطيني يتعرض لإبادة جماعية، والعالم يتواطأ”، وفتح سفارة في رام الله ليكون بذلك أول رئيس لاتيني يتخذ هذه الخطوات العملية دعمًا لفلسطين. 

كما عبّر عن دعمه للمقاومة الفلسطينية، حتى إنه تفاعل مع مشهد الأسير الإسرائيلي عومر شيم توف وهو يقبل جبين أحد عناصر كتائب القسام، قائلاً: “هذا هو السلام. الإنسانية تعني الحب والتضامن في أحلك اللحظات. هكذا تكون المقاومة، وهكذا تكون الحياة”.

مقابل ذلك، تُقارن هذه المواقف الحازمة والواضحة بمواقف حكام عرب استسلموا لأجندات الاحتلال، أو صمتوا عنها، أو شاركوا عمليًا في خطط تهجير الفلسطينيين، سواء عبر دعم مشاريع إعادة الإعمار المشروطة، أو التضييق على اللاجئين، أو التورط في اتفاقات أمنية وتكنولوجية مع الاحتلال، مثلما هو الحال في الإمارات والبحرين ومصر.

أمريكا اللاتينية… قبلة جديدة للكرامة العربية المفقودة

التحولات في أمريكا اللاتينية، خاصة في كولومبيا وتشيلي والبرازيل، تعبّر عن مسار جديد في العلاقات الدولية، حيث يتقدّم الموقف الأخلاقي والإنساني على المصالح النفعية، بينما تتراجع بعض العواصم العربية عن أضعف الإيمان.

في حين يطبع بعض القادة العرب مع الاحتلال أو يغضون الطرف عن جرائمه، تتصدر كولومبيا واجهة الدعم الدبلوماسي لفلسطين.

وكان الرئيس بيترو قد دعا، في أبريل الماضي، نظيره الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى التدخل لوقف الحرب، قائلاً: “إذا طالبتم بوقف إطلاق النار في فلسطين، فإنني سأدعمكم”. 

رغم الخلافات الأيديولوجية بين الرجلين، إلا أن بيترو فضل إنقاذ الأرواح على الخصومة السياسية، بينما يستمر زعماء عرب في تبرير الجرائم تحت عنوان “التوازنات الإقليمية” أو “حماية الأمن القومي”.

رسائل سياسية تتجاوز الجغرافيا

رسائل بيترو وأوسبينا تتجاوز مجرد تأييد دولة فلسطين، فهي تعني أيضًا أن العالم لم يعد يصدق رواية الاحتلال، وأن هناك قوى جديدة تستعيد زمام المبادرة الأخلاقية في السياسة الدولية.

وإذا كانت الحكومات العربية قد خذلت شعوبها في قضية فلسطين، فإن الشعوب اللاتينية، خاصة في كولومبيا، تُثبت أن الكرامة والموقف لا يحدهما الجغرافيا أو اللغة أو الدين.

وبينما لا يزال الغموض يحيط بمكان عمل السفير الجديد، سواء في رام الله أو من مدينة مجاورة، فإن مجرد وجود سفير رسمي لكولومبيا في فلسطين يشكّل صفعة سياسية للاحتلال، ويكسر حصاره الدبلوماسي، ويؤكد أن مشروع الاعتراف الدولي بدولة فلسطين يمضي قدمًا، على الرغم من التخاذل العربي والخذلان الدولي.

خاتمة: هل يتعلّم العرب من أمريكا اللاتينية؟

إن تعيين كولومبيا سفيرًا في فلسطين، بعد قطعها العلاقات مع دولة الاحتلال، يعكس تحولًا جوهريًا في الوعي السياسي العالمي، تقوده قوى الجنوب، بينما لا تزال أنظمة عربية تلهث خلف وهم التطبيع والسلام الاقتصادي. والدرس الأهم: الكرامة ليست حكرًا على العرب، والمقاومة لم تعد صوتًا فلسطينيًا وحيدًا، بل صدىً عالميًا يتردد من بوغوتا إلى غزة.

وفي النهاية، لم تعد فلسطين تنتظر بيانات الشجب العربي، بل تبني تحالفاتها مع الأحرار في كل مكان.

اقرأ أيضًا : غزة تحذر من مؤامرة غذائية: الاحتلال يوظف مؤسسة مشبوهة للسيطرة على القطاع