في واحدة من أخطر الاعترافات العلنية الصادرة عن ضباط إسرائيليين، أقر اللواء المتقاعد “إسرائيل زيف” – رئيس قسم العمليات السابق في جيش الاحتلال – بأن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) نجحت في فهم نقاط ضعف الجيش الإسرائيلي واستغلالها بشكل مذهل ضمن تكتيكات حرب عصابات متقدمة، وهو ما شكل صدمة عسكرية وسياسية داخل إسرائيل.
هذا الاعتراف الذي أدلى به زيف لشبكة “سي إن إن” الأميركية، يفتح الباب لتحليل عميق حول كيف طوّرت كتائب عز الدين القسام تكتيكاتها العسكرية في ظروف حصار وتدمير مستمر، لتنجح في تنفيذ هجمات خاطفة أربكت الحسابات، وفضحت هشاشة ما توصف بـ”أكثر الجيوش تطورًا في المنطقة”.

شبكة الأنفاق والبقاء في قلب النار
رغم سنوات من الحديث الإسرائيلي عن القضاء على أنفاق حماس، أشار زيف إلى أن خلايا المقاومة لا تزال تعتمد على ما تبقى من هذه الشبكة في التحرك والاختباء. الأهم من ذلك أن المقاومة لم تعد تعتمد فقط على الأنفاق كوسيلة دفاعية، بل تحولت إلى بنية حرب عصابات هجومية، قائمة على الكمائن الخاطفة، والعمليات المفاجئة خلف خطوط التماس، مع استخدام ذكي للبيئة المدمرة التي خلفها القصف الإسرائيلي نفسه.
ويقول زيف إن المقاومة باتت تعمل من خلال خلايا صغيرة منتشرة، ولديها وفرة من المتفجرات، بعضها يعود للذخائر التي قصف بها الاحتلال المدنيين في غزة لكنها لم تنفجر، لتُستثمر لاحقًا في تنفيذ عمليات نوعية.
الركام.. سلاح جديد ضد التكنولوجيا الإسرائيلية
الخبير الأمني الفلسطيني “رامي أبو زبيدة” قدم تفسيرًا إضافيًا يوضح لماذا يفشل الاحتلال في التصدي لهذه العمليات، رغم ما يمتلكه من طائرات استطلاع، روبوتات أرضية، وخرائط ثلاثية الأبعاد. السبب كما يوضح، أن القصف العنيف حوّل غزة إلى ركام غير قابل للقراءة، مما أدى إلى “تعطيل شبه كامل لأداء المنظومات التكنولوجية والروبوتية التي يعتمد عليها الاحتلال في عملياته البرية”.
يضيف أبو زبيدة أن الجيش الإسرائيلي يعتمد على بيانات وخرائط مسبقة جُمعت بالأقمار الصناعية، لكنها فقدت دقتها بعد الدمار الواسع، ما جعل الرؤية الاستخبارية الإسرائيلية عمياء في أرض المعركة. المقاومة استثمرت هذا الواقع بنجاح، فزرعت عبوات ناسفة وسط الركام في أماكن غير قابلة للرصد، ووجهت مسارات تحرك الجيش إلى مناطق أعدت مسبقًا لتكون ميادين قتل.
والأخطر، بحسب الخبير الفلسطيني، أن وحدات القسام باتت تستدرج فرق الإنقاذ الإسرائيلية إلى مواقع سبق تحديدها، لتتعرض لهجمات مزدوجة؛ إما بعبوات ثانية، أو بقصف مباشر من طائرات مسيرة أو قذائف هاون.
عقيدة هجومية جديدة: من الدفاع إلى المبادرة
يقول اللواء زيف إن ما يجري الآن في غزة هو “حرب عبوات ناسفة”، لم تعد فيها حماس تبحث عن الدفاع عن مناطق سكنية، بل باتت تسيطر على زمام المبادرة، وتختار متى وأين وكيف تضرب. يرى أن حماس لم تكن مضطرة لمجابهة الجيش بشكل مباشر، بل قررت أن “تخطط الكمائن وتضرب عند نقاط الضعف”، مضيفًا: “إنهم لا يدافعون عن الأرض، بل يبحثون عن أهداف.. إنهم يعرفون كيف نفكر، ويستخدمون ذلك لصالحهم”.
بهذا الاعتراف، يكشف زيف عن تحول خطير في فلسفة عمل المقاومة: من قوة دفاعية في نفق، إلى خلايا هجومية ذكية تهاجم في قلب مسرح العمليات الإسرائيلي.
كما يشير إلى أن الجيش، حتى وهو يستخدم أقصى طاقته من القصف والاقتحام، فشل في منع تسرب مقاتلي حماس إلى الخطوط الخلفية، وهو ما يظهر في تكرار الهجمات التي تستهدف الجنود داخل غزة من حيث لا يحتسبون.
براعة المقاومة.. حين تصبح الأرض سلاحًا
من زاوية عسكرية، يمكن القول إن كتائب القسام تمكنت من تحويل كل عنصر في الميدان إلى أداة هجومية: الركام، الممرات الضيقة، الفجوات بين المنازل، والأنفاق التي لم تُكتشف بعد. بل إن المقاومة تجاوزت ذلك إلى استخدام “اللايقين” نفسه كسلاح، عبر تفخيخ المناطق التي لا يمكن التنبؤ بها، واستهداف القوات في اللحظة التي تظن أنها بأمان.
هذا ما أكده زيف حين قال: “حماس درست كيفية عملنا، وركزت على ثغراتنا. هذا الضغط المتواصل على قواتنا سمح لها باستغلال ضعفنا، حتى في حالتها الضعيفة”، على حد تعبيره.
خاتمة: حين تنهار القوة أمام الذكاء
ما يكشفه هذا التحليل أن حماس، ومن ورائها فصائل المقاومة، لا تواجه إسرائيل بتوازن القوة، بل بتوازن الذكاء. في كل مرة تفشل فيها طائرات الاحتلال، وأقماره الصناعية، وروبوتاته القتالية، في منع عملية خاطفة لمجموعة صغيرة من المقاتلين، يتضح أن جيش الاحتلال يواجه عدوًا يتطور.
المقاومة الفلسطينية، رغم الحصار والدمار، تبني تكتيكها على فهم دقيق لعقلية العدو، واستخدام مرن للبيئة القتالية، وابتكار غير متوقع في الأدوات. وفي هذه المعادلة، قد لا تكون الغلبة لمن يملك التكنولوجيا، بل لمن يملك الإرادة والبصيرة.
اقرأ أيضًا : فوق الركام.. كيف أفشلت حماس آلة الاحتلال وكسبت معركة الصمود؟