لم يكن هروب عيدروس الزبيدي من عدن مجرّد واقعة أمنية عابرة، بل شكّل لحظة كاشفة لانفجار التناقضات المكتومة داخل التحالف السعودي-الإماراتي في اليمن. 

الطريقة التي أُخرج بها الزبيدي، عبر ترتيبات ميدانية معقّدة وتغطية لوجستية وعسكرية، أكدت أن الرجل لم يكن فاعلًا محليًا مستقلًا، بل قائدًا لميليشيا انفصالية مدعومة ومُدارة ضمن شبكة نفوذ إماراتية عابرة للحدود. 

هذه اللحظة أنهت عمليًا وهم “الشراكة المتكافئة” بين الرياض وأبوظبي، ودفعت الطرفين إلى إعادة تموضع حادّ في اليمن وما حوله.

المجلس الانتقالي: من أداة نفوذ إلى عبء استراتيجي

قاد المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة الزبيدي، تمددًا عسكريًا سريعًا في جنوب اليمن، مستندًا إلى دعم إماراتي مالي وتسليحي وتنظيمي. لكن هذا التمدد تحوّل إلى عبء حين هدد مباشرة حسابات السعودية الأمنية، خصوصًا قرب الحدود والممرات الحسّاسة. التدخل السعودي العنيف، الذي أطاح بسيطرة المجلس وأعاد عدن إلى الحكومة المعترف بها، عكس قرارًا واضحًا بتفكيك الذراع الانفصالية التي رعتها أبوظبي، وإغلاق نافذة تقسيم اليمن بالقوة. منذ تلك اللحظة، انتقلت الرياض من سياسة الاحتواء إلى سياسة الكبح المباشر.

الرياض تعيد الإمساك بالملف اليمني

أعادت اليمن ترتيب أوراقه تحت مظلة سعودية أكثر صرامة: رواتب المقاتلين تُدفع من الرياض، تغييرات داخل المجلس القيادي الرئاسي تُقلّص حضور الشخصيات المقرّبة من أبوظبي، ورسائل سياسية حادّة تُجرِّم أي مسار انفصالي مسلّح. توصيف الزبيدي بـ“الآبق” لم يكن لغويًا فحسب، بل إعلانًا عن نهاية مرحلة. في المقابل، سعت الرياض إلى تقديم نفسها كراعٍ للاستقرار ووحدة الدولة، في قطيعة واضحة مع نموذج الوكلاء الذي تبنّته الإمارات خلال السنوات الماضية.

القرن الأفريقي: ارتدادات تتجاوز اليمن

لم يتوقف أثر حادثة التهريب عند الجغرافيا اليمنية. في القرن الأفريقي، تسارعت إعادة الهيكلة. قرارات صومالية بإلغاء تعاون أمني وتجاري مع أبوظبي، وتضييق على امتيازات موانئ وشبكات لوجستية، عكست إدراكًا إقليميًا بأن النفوذ الإماراتي بات مُكلِفًا سياسيًا. فقدان تصاريح تحليق عسكري وإغلاق عقد لوجستية مؤقتًا، كلها مؤشرات على محاولة محاصرة شبكة نفوذ بُنيت على الوكلاء والموانئ والقواعد غير المُعلنة. في المقابل، تتحرّك الرياض لبناء اصطفاف جديد مع القاهرة ومقديشو، يمنحها عمقًا بحريًا وأمنيًا موازنًا.

اختلاف الرؤى بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد

في جوهر الصدع، يقف اختلاف المقاربة بين محمد بن سلمان و**محمد بن زايد**. تميل الرياض اليوم إلى تقليل المغامرات، وتغليب الاستقرار كشرط للاستثمار والازدهار، فيما واصلت أبوظبي سياسة بناء النفوذ عبر الوكلاء والقوة الصلبة والناعمة معًا. تهريب الزبيدي كشف حدود هذه السياسة حين اصطدمت مباشرة بأمن الحليف الأكبر وبحساباته الدولية، خصوصًا في لحظة تسعى فيها السعودية إلى إعادة تسويق نفسها كقوة استقرار إقليمي.

حرب إعلامية وإعادة تموضع ناعم

ترافق التحول مع حرب إعلامية شرسة، زيارات ميدانية مُدارة، وتسريبات متبادلة. لكن الأهم هو انتقال أبوظبي، مرحليًا، إلى أدوات “القوة الناعمة” في جنوب اليمن والقرن الأفريقي: استثمار، نفوذ اجتماعي، وشراكات اقتصادية، بدل الرهان المكشوف على ميليشيات انفصالية. غير أن هذا التحول يبقى هشًا، إذ لم تُحسم بعد مسألة ما إذا كان سيُستعاد لاحقًا دعم تمرّد مسلّح بصيغة أقل صخبًا.

الخلاصة: نهاية مرحلة وبداية اصطفاف جديد

أعاد تورّط الإمارات في تهريب الزبيدي رسم خطوط الصراع والتحالف. في اليمن، تراجعت قدرة الوكلاء الانفصاليين على فرض وقائع بالقوة. وفي القرن الأفريقي، انكشفت كلفة الشبكات العسكرية-اللوجستية غير المُعلنة. الأرجح أننا أمام نهاية مرحلة النفوذ بالوكالة، وبداية اصطفاف إقليمي جديد تقوده الرياض، يضع وحدة الدول واستقرارها شرطًا لأي شراكة. السؤال المفتوح: هل تتكيّف أبوظبي مع هذا الواقع، أم تبحث عن مسارات التفاف جديدة؟

اقرأ أيضًا : توغل مليشيا الإمارات “الدعم السريع” في تشاد… خطأ عسكري أم رسالة إقليمية؟