في لحظة إقليمية مشتعلة، يطرح سؤال يبدو صادماً في ظاهره: كيف يمكن للولايات المتحدة، بكل تفوقها العسكري، أن تعجز عن تأمين واحد من أهم الممرات البحرية في العالم؟ هذا السؤال لم يعد مجرد فرضية نظرية، بل بات محور نقاش جدي بعد تحذيرات أطلقها الخبير في شؤون الأمن الإقليمي اللواء محمد عبد الواحد، الذي رسم صورة معقدة للمشهد العسكري في مضيق هرمز، تكشف عن توازن ردع غير تقليدي تميل كفته نحو إيران في بيئة بحرية شديدة الحساسية.

ترسانة بحرية إيرانية: سلاح غير تقليدي يغيّر قواعد الاشتباك
بحسب تقديرات عبد الواحد، تمتلك إيران واحدة من أكبر ترسانات الألغام البحرية في المنطقة، إذ يتراوح عددها بين 5 آلاف و6 آلاف لغم متطور، قادر على العمل بآليات تفجير متعددة تشمل الصوت والضوء والتغيرات الحرارية. هذه الألغام لا تُعد مجرد أدوات دفاعية، بل تمثل سلاحاً استراتيجياً يفرض واقعاً جديداً على أي قوة بحرية تحاول الاقتراب.
وتكمن الخطورة في أن الانفجارات تحت الماء تفوق قوتها على السطح بما يصل إلى خمسة أضعاف، ما يعني أن ضربة واحدة قد تكون كفيلة بإخراج سفينة حربية من الخدمة أو تدميرها بالكامل. كما أن إيران لا تعتمد فقط على الألغام، بل تمتلك منظومة متكاملة تشمل صواريخ بحرية، ومدفعية ساحلية، وغواصات مسيّرة، وزوارق انتحارية سريعة، ما يجعل أي محاولة لاختراق هذا الحزام الدفاعي مغامرة عالية التكلفة.
كابوس إزالة الألغام: معركة تقنية معقدة
التحدي الأكبر لا يكمن فقط في وجود الألغام، بل في كيفية إزالتها. فبحسب الخبير، تعتمد عمليات الكشف عن الألغام البحرية بشكل أساسي على الموجات الصوتية، في ظل عجز الرادارات التقليدية عن اختراق المياه المالحة. غير أن هذه التقنية تواجه معضلة خطيرة، تتمثل في الإشارات الزائفة التي تنتج عن حطام السفن أو تجمعات الأسماك أو حتى المعادن في قاع البحر.
هذا التشويش يجعل التمييز بين اللغم الحقيقي والهدف الوهمي مهمة شبه مستحيلة في ظروف الحرب، ما يبطئ عمليات التطهير ويزيد من احتمالات الخطأ. وبالتالي، فإن أي قوة بحرية، بما في ذلك الولايات المتحدة، ستجد نفسها أمام معركة استنزاف طويلة ومعقدة، بدلاً من عملية عسكرية سريعة وحاسمة.
لماذا تعجز واشنطن عن العمل منفردة؟
يرى عبد الواحد أن الحديث عن قدرة الولايات المتحدة على تأمين الملاحة بمفردها في مضيق هرمز هو أقرب إلى الوهم العسكري. فالسفن الأمريكية، إلى جانب السفن التجارية، ستكون أهدافاً مباشرة، ما يرفع الكلفة البشرية والمادية إلى مستويات قد لا تتحملها واشنطن، خاصة أنها طرف مباشر في الصراع وليست قوة محايدة.
ويستدعي الخبير تجربة الثمانينيات، حين تعرضت وحدات أمريكية لأضرار رغم نجاح نسبي في تأمين الملاحة، مشيراً إلى أن الظروف الحالية أكثر تعقيداً بكثير، سواء من حيث تطور الأسلحة الإيرانية أو طبيعة الصراع الإقليمي.
تحالف دولي أم محاولة للهروب من الكلفة؟
في هذا السياق، يفسر عبد الواحد دعوات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لتشكيل تحالف دولي بأنها ليست مجرد خطوة عسكرية، بل تحمل أبعاداً سياسية واضحة. فهي تهدف أولاً إلى تقليل الخسائر الأمريكية عبر توزيع الأعباء، وثانياً إلى إضفاء شرعية دولية على أي عمل عسكري، وثالثاً إلى تصوير إيران كتهديد للملاحة العالمية تمهيداً لتحركات دبلوماسية في مجلس الأمن.
غير أن هذه الدعوة تصطدم بعقبتين رئيسيتين: الأولى تتمثل في الخلافات العميقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين حول شرعية الحرب، والثانية في إدراك الدول أن المخاطر في مضيق ملغّم تفوق بكثير أي مكاسب محتملة من المشاركة.
استراتيجية الاستنزاف: كيف تدير إيران الصراع؟
تتبنى طهران، وفقاً للتحليل، استراتيجية تقوم على استنزاف الخصم بدلاً من المواجهة المباشرة. فهي تعمل على إطالة أمد الصراع ورفع تكلفته تدريجياً، مستفيدة من تعدد الجبهات وتداخل الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية.
وقد انتقلت إيران من سياسة “الصبر الاستراتيجي” إلى الردود السريعة والمؤلمة، في معادلة ردع تقوم على المعاملة بالمثل. هذا التحول يعكس ثقة متزايدة في القدرات العسكرية، خاصة في ظل استمرار فاعلية ترسانتها الصاروخية.
صواريخ تحت الأرض: قوة يصعب تدميرها
يفند عبد الواحد الروايات التي تتحدث عن تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، مشيراً إلى أن التقديرات الاستخباراتية الأمريكية نفسها تؤكد احتفاظ طهران بنسبة تتراوح بين 50% و70% من هذه القدرات.
وتعتمد إيران على تطوير صواريخ تعمل بالوقود الصلب، ما يتيح إطلاقها بسرعة أكبر، إلى جانب تزويدها بأنظمة توجيه متقدمة تمكنها من المناورة وتفادي الدفاعات الجوية. كما أن إنشاء “مدن صاروخية” تحت الأرض وقواعد إطلاق متنقلة يجعل من استهدافها مهمة معقدة للغاية.
حرب استخباراتية مفتوحة على كل الاحتمالات
بالتوازي مع المواجهة العسكرية، تدور حرب استخباراتية شرسة بين إيران وإسرائيل، حيث يسعى كل طرف لاختراق الآخر عبر شبكات تجسس معقدة. ويشير الخبير إلى أن جهاز الموساد يعتمد على عدة مسارات لتجنيد العملاء داخل إيران، مستفيداً من الأوضاع الاقتصادية والتوترات الداخلية.
في المقابل، تمكنت الأجهزة الأمنية الإيرانية من كشف عدد من هذه الشبكات، في خطوة تهدف إلى تعزيز صورة الأمن الداخلي، ومنع تسريب المعلومات الحساسة، وردع أي محاولات مستقبلية للتجسس.
مشهد مفتوح على التصعيد
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحول إلى ساحة اختبار حقيقية لقدرة القوى الكبرى على فرض سيطرتها في بيئة غير تقليدية. ومع تزايد تعقيد المشهد، تبرز حقيقة صعبة: التفوق العسكري التقليدي لا يكفي دائماً لحسم المعارك، خاصة عندما تتحول الجغرافيا إلى سلاح، ويصبح البحر نفسه حليفاً لمن يجيد استخدامه.
اقرأ أيضًا : تمويل ألماني سري لمفاعل ديمونا يكشف جذور الشراكة النووية مع إسرائيل