تناولت صحف عالمية عدة موجة الرفض العربي والإسلامي الواسعة لتكليف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير بإدارة قطاع غزة ضمن الخطة الأميركية الجديدة، معتبرة أن عودة بلير إلى الواجهة السياسية في الشرق الأوسط تُعيد إلى الأذهان صفحات الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حين كان أحد أبرز مهندسيه.

فقد ذكرت صحيفة فايننشال تايمز الأميركية أن دولا عربية وإسلامية أعربت عن اعتراضها على تكليف بلير بالإشراف على مستقبل غزة، معتبرة القرار بمثابة “استفزاز سياسي” يعيد إنتاج أخطاء الماضي. ونقلت الصحيفة عن ثلاثة دبلوماسيين عرب – طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم – قولهم إن رفضهم لا يأتي من موقف شخصي ضد بلير، بل من “رمزية المرحلة التي يمثلها”، إذ إن اسمه ارتبط في الذاكرة العربية بالدمار الذي لحق بالعراق وبالتحالف الوثيق مع واشنطن في حرب غير مشروعة.

وأضافت الصحيفة أن بعض الحكومات العربية أبدت خشيتها من أن يؤدي الدور الجديد المقترح لبلير إلى تهميش الفصائل الفلسطينية وتحويل إدارة غزة إلى وصاية غربية كاملة تحت غطاء دولي، وهو ما قد يفجر حالة غضب شعبي واسعة في المنطقة.

واشنطن بين دعم إسرائيل وتجميل الصورة

وفي سياق متصل، أشارت افتتاحية صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن الموقف الأميركي من مسألة ضم الضفة الغربية لا يمثل خلافا حقيقيا بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بل هو تكتيك سياسي يهدف إلى تهدئة الرأي العام العربي والإسلامي وفتح الطريق أمام استمرار مسار التطبيع.

وقالت الصحيفة إن رفض ترامب للضم العلني جاء ضمن مساعٍ للحفاظ على الحد الأدنى من الثقة بين واشنطن وبعض العواصم العربية التي تعوّل على الوعود الأميركية في ما يتعلق بإعادة إعمار غزة وإدارة شؤونها الأمنية والاقتصادية. ونقلت عن ترامب قوله في مقابلة مع مجلة تايم الأميركية إنه حذر إسرائيل من فقدان الدعم الأميركي إن مضت قدما في هذا القرار، قائلا: “لقد وعدت الدول العربية بعدم حدوثه، ولن أسمح بأن يُقوض وعدي.”

غير أن الصحيفة رأت أن الرد الإسرائيلي جاء بمناورة سياسية جديدة، إذ سعى نتنياهو إلى طمأنة الإدارة الأميركية بالتأكيد أن تصويت الكنيست على ما تسميه إسرائيل “فرض السيادة” في الضفة لا يعني الضم الكامل بل هو خطوة رمزية لحفظ ماء الوجه أمام اليمين الإسرائيلي المتشدد.

الإندبندنت: تعذيب الأسرى الفلسطينيين وصمت دولي

وفي زاوية أخرى من المشهد، سلطت صحيفة الإندبندنت البريطانية الضوء على تقارير وشهادات لأسرى فلسطينيين أفرج عنهم بعد عامين من الاعتقال في سجون الاحتلال دون توجيه أي تهم. وكشفت الصحيفة عن تعرضهم لـ”أشد أنواع التعذيب البدني والنفسي”، شملت الحرمان من النوم والطعام، واستخدام أساليب الإغراق بالماء الساخن أو البارد، والتعذيب بالعزل الانفرادي، بل وتنفيذ إعدامات ميدانية بحق بعضهم داخل الزنازين.

ونقلت عن أحد الأسرى قوله إنّه بعد الإفراج عنه اكتشف أن عائلته أُبيدت بالكامل خلال القصف على غزة، مضيفا: “خرجت من السجن لأجد قبورا تنتظرني بدلا من البيت.” وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الممارسات تتم وسط صمت دولي مطبق، فيما تستمر محاولات الحكومة الإسرائيلية لتقويض أي تحقيق أممي في الانتهاكات بحق الأسرى.

لوموند: “تسونامي نفسي” يجتاح المجتمع الإسرائيلي

أما صحيفة لوموند الفرنسية فخصّصت تقريرا مطولا عن ما وصفته بـ”تسونامي اضطرابات نفسية” داخل إسرائيل نتيجة الحرب المستمرة على غزة. وقالت الصحيفة إن أكثر من 19 ألف جندي يخضعون حاليا لعلاج نفسي من اضطرابات ما بعد الصدمة، مع توقعات بارتفاع العدد إلى نحو 50 ألفا خلال العامين المقبلين.

وأضافت أن المجتمع الإسرائيلي يشهد تحولا ملحوظا، إذ بدأ بعض الجنود السابقين بالمطالبة بحقوقهم وبتعويضات مالية كبيرة، بل والانخراط في النشاط السياسي المعارض للحكومة، معتبرين أن القيادة السياسية والعسكرية زجت بهم في حرب عبثية بلا أفق. وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الأزمة النفسية قد تتحول إلى قنبلة اجتماعية تهدد تماسك الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

ذا إنترسبت: شركات أميركية متورطة في دعم آلة القتل

وفي تطور يثير جدلا واسعا، نشر موقع ذا إنترسبت الأميركي تحقيقا استقصائيا كشف فيه عن تورط شركة أمازون في تزويد شركات إسرائيلية مصنعة للأسلحة بخدمات الحوسبة السحابية المتقدمة، مثل شركتي “رافائيل” لأنظمة الدفاع المتطورة و”الصناعات الجوية الإسرائيلية”.

وبحسب الموقع، استخدمت تلك الشركات خدمات أمازون لتنفيذ عمليات تحليل بيانات ضخمة وتوجيه ضربات دقيقة داخل غزة، تسببت في مقتل مئات المدنيين. كما أشار التحقيق إلى أن الشركة الأميركية وفرت أيضا خدمات تكنولوجية لمؤسسات تشرف على البرنامج النووي الإسرائيلي وإدارة شؤون المستوطنات في الضفة الغربية.

واعتبر الموقع أن هذه المعلومات تعزز الدعوات المتزايدة داخل الولايات المتحدة لفرض رقابة صارمة على تعاملات الشركات التكنولوجية الكبرى مع الكيانات العسكرية الإسرائيلية، خاصة في ظل اتهامات متصاعدة بأن واشنطن تغذي آلة الحرب بدلا من الضغط لوقفها.

خلاصة المشهد: عودة غير مرحب بها

تظهر التغطيات المتعددة للصحف العالمية أن عودة توني بلير إلى واجهة الملف الفلسطيني لم تثر حماسا، بل فجرت رفضا عربيا وإسلاميا واسعا أعاد إلى الذاكرة جراح العراق وذكريات الاحتلال. وبينما تحاول واشنطن إعادة ترتيب المشهد بغلاف دبلوماسي جديد، تكشف الصحف الغربية نفسها عن تصدعات داخل إسرائيل، وفضائح لشركاتها الداعمة للحرب، في مشهد يعكس أزمة أخلاقية وسياسية متفاقمة تجعل إدارة غزة المقبلة لغما سياسيا يصعب تفكيكه.

اقرأ أيضًا : هند رجب ترفع دعوى ضد جندي ألماني-إسرائيلي: العدالة في مواجهة الإبادة