بقلم / أحمد محسن
في خضم حرب ضروس لا تزال مستعرة على قطاع غزة، خرج القيادي في حركة المقاومة الإسلامية حماس، غازي حمد، مساء السبت، ليتحدث عن كواليس آخر جولة من المفاوضات غير المباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي، التي كانت تهدف إلى وقف إطلاق النار وعقد صفقة جديدة لتبادل الأسرى.
وفي تصريحات حادة ومباشرة، كشف حمد عن تفاصيل دقيقة، مهاجمًا ما وصفه بـ”تعنت الاحتلال” ومحذرًا من أن إسرائيل تحاول فرض وقائع جديدة على طاولة التفاوض بعد أن عجزت عن فرضها في الميدان.

مواقف مرنة وعقلانية.. يقابلها انسحاب إسرائيلي مفاجئ
استهل غازي حمد حديثه بالتأكيد على أن حركة حماس قدّمت خلال الجولة الأخيرة “رؤية عقلانية وموضوعية”، متقاربة إلى حد كبير مع المقترح الذي قدمه المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، بحسب وصفه. وأوضح أن الحركة لطالما أبدت مواقف مرنة ومتقدمة من أجل التوصل إلى اتفاق حقيقي ينهي الحرب.
وأكد أن الوسطاء الدوليين، لا سيما من قطر ومصر، لمسوا جدية حماس، وعبّروا في أكثر من مناسبة عن تفاؤلهم بإمكانية الوصول إلى اتفاق نهائي يُنهي العدوان ويحقق تطلعات الشعب الفلسطيني. ومع ذلك، تفاجأت الحركة – على حد قوله – بانسحاب مفاجئ للوفد الإسرائيلي من المفاوضات، أعقبه تصريحات متشنجة وغير مبرّرة من الإدارة الأمريكية، سواء من الرئيس دونالد ترامب أو من ويتكوف.
وشدد حمد على أن هذه التصريحات تعكس نوايا خفية لإجهاض أي تقدم في المفاوضات، و”تغطي على تعنت الاحتلال ومماطلته”، واصفًا اللغة الأمريكية بأنها “تهديدية” و”تفتقر للمنطق والتفسير”، وتتناقض مع حقيقة الموقف الإيجابي لحماس.
المفاوضات معركة موازية للميدان.. ورفضٌ لإملاءات الاحتلال
في تحليله لطبيعة التفاوض، اعتبر حمد أن “المفاوضات لا تقل أهمية أو خطورة عن المعركة في الميدان”، مشيرًا إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يحاول انتزاع ما فشل في تحقيقه عسكريًا من خلال التفاوض، عبر فرض شروط مذلة وغير مقبولة.
وأوضح القيادي في حماس أن الاحتلال حاول فرض سيطرته الكاملة على ملف المساعدات الإنسانية، بحيث تكون جميع التفاصيل تحت تحكمه؛ من الجهات التي تستلم المساعدات، إلى كميات المواد وآلية توزيعها. لكن الحركة – بحسب قوله – أصرت على التمسك ببنود اتفاق 19 يناير 2025، الذي ينص على إيصال المساعدات لكل سكان غزة من خلال الأمم المتحدة والهلال الأحمر الفلسطيني، دون تدخل إسرائيلي مباشر.
أما في ملف الانسحاب، فكان الطرح الإسرائيلي أكثر استفزازًا، حيث أراد الاحتلال الإبقاء على سيطرته على نحو 40٪ من مساحة قطاع غزة، وتوسيع المناطق العازلة، إضافة إلى الاحتفاظ بمحور “موراج” والمدينة الإنسانية. وأكد حمد أن حماس تصدت لهذه الرغبة “بشراسة”، ونجحت في إفشال محاولات الاحتلال فرض وقائع جديدة في القطاع.
ضمانات وقف الحرب ورفض العودة لدائرة العدوان
من النقاط الجوهرية التي أصرّت عليها حماس – بحسب ما أوضح حمد – هي رفض أي اتفاق لا يتضمن عبارة صريحة وواضحة بوقف الحرب بشكل نهائي. وأشار إلى أن الوفد الإسرائيلي رفض إدراج أي تعبير يفيد بإنهاء الحرب، بل تعمّد الإبقاء على صيغة غامضة تسمح بإعادة إطلاق العدوان متى شاء.
وبيّن أن الحركة قاتلت في المفاوضات، كما في الميدان، لمنع هذا السيناريو الكارثي، وسعت إلى وضع ضمانات قوية تحول دون عودة الاحتلال إلى الحرب مرة أخرى تحت أي ذريعة. وفي هذا الإطار، رفضت الحركة الرضوخ لأي اتفاق “هزيل وسريع”، كما وصفه حمد، مشيرًا إلى أن خيار “الاستعجال” كان يعني السماح للاحتلال بالتحكم الكامل في غزة، والعودة للحرب في أي لحظة، وفرض مناطق عازلة، إضافة إلى شروط مجحفة أخرى.
ولفت إلى أن بعض الأطراف نصحت الحركة بـ”الواقعية” والتنازل لتخفيف المعاناة عن سكان القطاع، لكنها رفضت هذه الضغوط، متمسكة بخيار “الصبر والصمت” من أجل الوصول إلى اتفاق جيد يحقق الحد الأدنى من الكرامة الوطنية ويصون الحقوق الفلسطينية.
حماس تنتزع إنجازات رغم المعاناة.. والمفاوضات مستمرة
واختتم حمد حديثه بالتأكيد على أن حماس، رغم ضغوط المعركة العسكرية والإنسانية، نجحت في تحقيق العديد من الإنجازات على طاولة التفاوض، وأجبرت الاحتلال على التراجع عن بعض مطالبه الأساسية. كما أعاد التأكيد أن الشعب الفلسطيني لن يقبل بأي اتفاق يُكرّس هيمنة الاحتلال أو يُعيد تدوير العدوان بشكل جديد.
وأشار إلى أن المفاوضات لا تزال مستمرة، لكنها مليئة بالمخاطر والانحرافات المحتملة، وتتطلب توازنًا دقيقًا بين الواقع السياسي والميداني، وبين الحفاظ على الثوابت والحقوق الوطنية. فالمعركة، كما وصفها، “قاسية وصعبة”، لكن حماس مستعدة لخوضها حتى النهاية.
وفي ظل هذا المشهد، يتأكد أن حماس لا تنظر للمفاوضات باعتبارها تنازلاً، بل كـ”امتداد للمعركة”، وأداة للمناورة السياسية بما يخدم القضية الفلسطينية، ويردّ على غطرسة الاحتلال وتعطيله المتعمد لأي مسار يؤدي إلى التهدئة أو الاستقرار.
اقرأ أيضًا : هل يسعى الاحتلال لتصفية صحفيي الجزيرة في غزة؟