بقلم / محمود سليمان
في تصعيد خطير يضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات بحق الصحفيين، حذرت شبكة الجزيرة الإعلامية من حملات تحريض ممنهجة يقودها جيش الاحتلال الإسرائيلي وناطقوه الرسميون ضد طاقمها الصحفي في قطاع غزة، وخصوصاً الزميل أنس الشريف، الذي يُعد من أبرز الوجوه الإعلامية التي تنقل تفاصيل المجازر اليومية في القطاع المحاصر.
وأعربت الشبكة في بيان رسمي صدر اليوم الجمعة عن بالغ قلقها من هذه الحملات التي وصفتها بـ”التحريضية والخطيرة”، مؤكدة أنها قد تمهّد لارتكاب جريمة جديدة بحق طواقمها على الأرض، على غرار ما حدث مع مراسليها في السابق، وهو ما يثير مخاوف جدية من استهداف مباشر قد يودي بحياة صحفيين أبرياء لا يحملون سوى كاميراتهم وأقلامهم.

التحريض العلني كسلاح سياسي وعسكري
منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة، ووسائل الإعلام الإسرائيلية، وعلى رأسها ناطقو الجيش والمتحدث باسم الحكومة، يصعّدون من لهجتهم العدائية تجاه الصحفيين المستقلين، وعلى وجه الخصوص صحفيي قناة الجزيرة.
وقد تركزت الحملة في الآونة الأخيرة على الزميل أنس الشريف، عبر اتهامات باطلة له بدعم المقاومة أو التستر على تحركاتها، وهي اتهامات لم يقدَّم لها أي دليل، لكنها تمثّل في جوهرها تهديداً ضمنياً بالتصفية، كما جرى سابقًا مع صحفيين آخرين.
اللافت أن التحريض لم يأتِ فقط من منصات التواصل التابعة للجيش، بل شمل تصريحات إعلامية من مسؤولين إسرائيليين بارزين، ما يرفع منسوب الخطورة، ويشير إلى أن الاستهداف المحتمل ليس مجرد عمل فردي أو خطأ ميداني، بل سياسة واضحة لتكميم الأفواه وكسر الكاميرا التي توثق الجرائم.
سجل دموي طويل: من شيرين إلى حسن أصليح
وليس مستغرباً أن تخرج مثل هذه التحذيرات من شبكة الجزيرة، فالسجل الإسرائيلي في استهداف الصحفيين يشهد على سلسلة من الجرائم التي لم تُحاسَب سلطات الاحتلال عليها حتى اليوم.
في مايو/أيار 2022، اغتالت قوات الاحتلال الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، مراسلة الجزيرة، برصاصة في الرأس أثناء تغطيتها اقتحام مخيم جنين، رغم ارتدائها سترة الصحافة بشكل واضح. ومع أن تحقيقات دولية أكدت مسؤولية الاحتلال، فإن القاتل لم يُقدَّم للعدالة حتى الآن، بل استمرت إسرائيل في إنكار مسؤوليتها.
وخلال الحرب الحالية على غزة، لم يكن الصحفي الفلسطيني حسن أصليح أفضل حالاً، فقد استُهدِف بشكل مباشر وقُتل أثناء تغطيته للعدوان في رفح. وقبله عشرات من الصحفيين الذين قضوا منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مما يجعل هذه الحرب الأكثر دموية في تاريخ الصحافة الفلسطينية، بحسب تقارير منظمات حقوق الإنسان.
الاحتلال يخشى الكاميرا أكثر من السلاح
السبب الحقيقي وراء هذا الاستهداف لا يخفى على أحد، فإسرائيل تدرك أن الصورة والفيديو المباشر من غزة يشكلان أداةً قوية لكشف جرائمها أمام الرأي العام العالمي. ولهذا تسعى بكل ما تملك من قوة عسكرية ودبلوماسية إلى إسكات الصحفيين، لا سيما أولئك الذين يعملون لصالح مؤسسات تمتلك انتشاراً دولياً مثل الجزيرة.
فعندما يُظهر أنس الشريف مشاهد مجازر الأطفال والنساء في جباليا وخان يونس، ويكشف أكاذيب الاحتلال بشأن “العمليات الدقيقة”، فإن ذلك يزعج المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أكثر من أي شيء آخر. لذا، يصبح التحريض عليه تمهيداً لتصفيته، أو على الأقل إخراجه من المشهد.
دعوات للحماية الدولية: هل تستجيب المؤسسات؟
في ظل هذا الواقع الخطير، دعت شبكة الجزيرة المجتمع الدولي والمنظمات المعنية بحرية الصحافة إلى اتخاذ موقف واضح وصارم لحماية الصحفيين في قطاع غزة، وعلى رأسهم طواقم الشبكة.
لكن حتى الآن، لا يبدو أن هناك تحركاً ملموساً على هذا الصعيد، رغم إدانات خجولة من بعض المؤسسات الإعلامية ومنظمة “مراسلون بلا حدود”، في حين يواصل الاحتلال القصف والاستهداف، غير عابئ بالقوانين الدولية التي تُجرّم قتل الصحفيين أو تعريضهم للخطر.
خاتمة: كاميرا الجزيرة في مرمى القصف
إن تصعيد الاحتلال لتحريضه ضد صحفيي الجزيرة ليس مجرد حملة كلامية، بل هو مؤشر على نية مبيتة لاستهداف من تبقى من الشهود على المجازر الجارية في غزة. وفي ظل التخاذل الدولي وتكرار مشهد الإفلات من العقاب، تبدو حياة الزميل أنس الشريف وزملائه في خطر داهم.
فهل تنتظر المنظمات الحقوقية جريمة جديدة كي تتحرك؟ أم أن قتل الصحفيين بات تفصيلاً لا يستدعي الغضب طالما أن القاتل هو إسرائيل؟
الإجابة على هذا السؤال قد تحدد إن كانت الصحافة ستبقى حية في غزة، أم ستُدفن تحت الأنقاض مع أصحابها.
اقرأ أيضًا : رد حماس على ويتكوف يُبرز التباين الأمريكي – الإقليمي.. والوسطاء يؤكدون: الزخم ما زال قائمًا