في واحدة من أبشع مشاهد الحرب السودانية، تحولت مدينة الفاشر إلى ما يشبه مسلخًا جماعيًا مفتوحًا بعد سقوطها في قبضة ميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيًا، وفق ما كشفه تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية، استند إلى تحليلات حديثة لصور الأقمار الصناعية وتقارير خبراء حقوق الإنسان.
الصور، التي لم تعد تحتمل التأويل، أظهرت مقابر جماعية وحفرًا مخصصة لحرق الجثث بكميات ضخمة، في وقت تشير فيه تقديرات أولية إلى أن ما لا يقل عن 60 ألف مدني قُتلوا خلال أسابيع قليلة، بينما يظل نحو 150 ألفًا في عداد المفقودين، وسط حصار قاتل ومجاعة تسحق من تبقى على قيد الحياة.

■ “مسرح جريمة ضخم”.. ماذا رصدت الأقمار الصناعيّة؟
منذ اللحظة التي أحكمت فيها ميليشيا الدعم السريع سيطرتها على الفاشر بعد حصار تجويعي دام 500 يوم، بدأت الصور الفضائية تُظهر ملامح جريمة واسعة النطاق.
تحليلات مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل وثّقت ظهور شبكة كاملة من الحفر الجديدة داخل المدينة وحولها، خُصصت — على ما يبدو — لدفن وحرق أعداد هائلة من الجثث.
الأسواق التي كانت تعجّ بالحياة أضحت — بحسب وصف مدير المختبر ناثانييل ريموند — “خاوية بشكل مرعب، حتى إن الأعشاب بدأت تنمو فيها”، في مشهد يشي بتوقف الحياة بالكامل.
وأكّد ريموند أن المدينة — التي كانت تضم 1.5 مليون نسمة — باتت تبدو كأنها “مسلخ كبير”، في ظل تكدس الجثث في الشوارع قبل نقلها إلى الحفر الجماعية.
تقديرات صادمة: عشرات الآلاف قُتلوا.. ومئات الآلاف اختفَوا
صحيفة الغارديان نقلت عن مشرعين بريطانيين أن إحاطة خاصة حول السودان كشفت عن تقديرات دنيا تشير إلى مقتل 60 ألف شخص خلال ثلاثة أسابيع فقط من الهجوم على الفاشر.
وبينما تشير شهادات السكان إلى مشاهد لا تُحتمل من الجثث المنتشرة في الطرقات، تؤكد تحليلات الأقمار الصناعية أن عدد الضحايا أكبر بكثير مما هو معلن، وأن عمليات طمس الأدلة تجري بوتيرة ممنهجة.
ورغم تواتر روايات عن وجود مراكز اعتقال داخل المدينة تحتجز فيها ميليشيا الدعم السريع بعض المدنيين، فإن هذه الأعداد — وفق مصادر الصحيفة — “ضئيلة جدًا” مقارنة بالمفقودين، ما يعزز فرضية وجود إعدامات جماعية أو وفيات جماعية بفعل الحصار والمجاعة.
المدينة مغلقة.. والأمم المتحدة ممنوعة من الدخول
ورغم تعهّد الميليشيا بالسماح للأمم المتحدة بالدخول إلى الفاشر للتحقيق وتقديم الإغاثة، إلا أن المدينة بقيت مغلقة بالكامل أمام المنظمات الدولية.
القوافل الإنسانية تقف عالقة في مدن وبلدات مجاورة، بانتظار ضمانات أمنية ترفض الميليشيا تقديمها، بينما تتدهور صحة الناجين بشكل كارثي وسط نقص حاد في الغذاء والماء.
خبراء دوليون حذّروا صراحة من أن الفاشر تشهد مجاعة محققة، في ظل غياب أي قدرة على حصر من بقي على قيد الحياة فعليًا داخل المدينة.
شهادات من الداخل: “قتل خلال يومين أكثر من 10 آلاف”
في الساعات الأولى للهجوم، تواصل بعض السكان مع فرق التحليل في جامعة ييل، مؤكدين أن أعداد القتلى قد بلغت 10 آلاف خلال 48 ساعة فقط.
لكن بعد ذلك انقطع التواصل مع هؤلاء الشهود، تاركًا وراءه شكوكًا مرعبة بشأن مصيرهم.
وتشير الروايات التي جمعتها الصحيفة إلى أن ميليشيا الدعم السريع نفذت عمليات انتقام واسعة في الأحياء، فضلًا عن إحراق منازل وسحق البنية الطبية بالكامل، بما فيها المستشفيات التي كانت الملاذ الأخير للجرحى.
الجرائم الإماراتية التي غذّت المذبحة
تأتي هذه المجزرة فيما تتزايد الاتهامات الدولية لدولة الإمارات بلعب الدور الأبرز في تمويل وتسليح ميليشيا الدعم السريع، سواء عبر الجسر الجوي للأسلحة أو من خلال شبكات الذهب والسلاح العابرة للحدود.
تقارير أممية سابقة كشفت وصول شحنات أسلحة إماراتية إلى الميليشيا عبر دول إفريقية، في خرق صارخ لحظر التسليح المفروض على السودان.
هذا الدعم — بحسب خبراء حقوق الإنسان — ساهم مباشرة في تعزيز قدرات الميليشيا على تنفيذ جرائم واسعة النطاق، من التطهير العرقي في دارفور إلى المجازر الجماعية الحالية في الفاشر.
وتحذر منظمات دولية من أن المجازر في الفاشر ليست حدثًا معزولًا، بل جزءًا من سلسلة جرائم ارتكبتها الميليشيا عبر سنوات، بدعم سياسي وعسكري ومالي من أبوظبي.
الأسوأ منذ بداية الحرب السودانية
وسط هذه الكارثة، تبدو الفاشر مرشحة لأن تكون أسوأ جريمة حرب منذ اندلاع الصراع السوداني في أبريل 2023، والذي أسفر عن مقتل نحو 400 ألف شخص ونزوح 13 مليونًا، في أكبر أزمة إنسانية في العالم اليوم.
كما تتزامن المذبحة مع دعوات دولية لتوسيع التحقيق في الهجوم على مخيم زمزم للنازحين قبل ستة أشهر، حيث وثقت منظمة العفو الدولية جرائم شملت قتل مدنيين واحتجاز رهائن وتدمير منشآت مدنية ومساجد.
■ نحو تحقيق دولي عاجل
في ظل الأدلة التي قدمتها الأقمار الصناعية، ومع تراكم الشهادات الميدانية، يتصاعد الضغط الدولي لفتح تحقيق شامل وفوري في “مسلخ الفاشر”، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجماعية، وعلى رأسهم ميليشيا الدعم السريع ومن يقف وراءها من الدول الداعمة.
ومع استمرار إغلاق المدينة، يرى الحقوقيون أن صور الأقمار الصناعية أصبحت “الشاهد الأخير” على حجم المأساة، في انتظار أن يتمكن العالم من الوصول إليها قبل أن تبتلع الحفر الجماعية ما تبقى من الأدلة.
اقرأ أيضا : الإمارات وجرائم الحرب بالوكالة: الاتحاد الأوروبي يدين “الدعم السريع” بعد مجزرة كلوقي في جنوب كردفان