نشرت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية تحقيقًا مطولًا أعاد فتح واحد من أخطر الملفات المسكوت عنها غربيًا: تمدد نفوذ عائلة آل نهيان الحاكمة في الإمارات داخل القارة الأفريقية، وتحول هذا النفوذ إلى إمبراطورية مالية–سياسية متشابكة مع صراعات دموية، على رأسها الحرب في السودان. التحقيق، الذي أعده الصحفي أدريان بلومفيلد، لم يقدّم صورة استثمارية تقليدية، بل رسم ملامح مشروع نفوذ عابر للحدود يقوم على المال، والأمن، والتحالف مع أمراء الحرب.
ثروة هائلة تتحول إلى أداة نفوذ
تصف التلغراف الإخوة آل نهيان بأنهم “أغنى أشقاء في العالم”، بثروة عائلية تُقدَّر بمئات المليارات من الجنيهات الإسترلينية، إضافة إلى سيطرة مباشرة أو غير مباشرة على ما لا يقل عن تريليون جنيه أخرى. هذه الثروة، وفق التحقيق، لم تعد مجرد رصيد اقتصادي، بل تحولت إلى أداة سياسية لإعادة تشكيل مناطق كاملة، خاصة في أفريقيا، حيث يسهل اختراق الدول الهشة عبر الاستثمارات المشروطة.
وترى الصحيفة أن التحول السريع للإمارات من اتحاد قبلي هامشي عام 1971 إلى قوة مالية عالمية، ترافق مع عقلية توسعية لا تفصل بين الدولة والعائلة، ولا بين الاستثمار والسيطرة.
تناقض الصورة: شريك استقرار أم صانع فوضى؟
في الوقت الذي تقدم فيه أبوظبي نفسها للغرب كشريك استراتيجي في الأمن الإقليمي، وخصم لإيران، وداعم للتطبيع مع إسرائيل، تكشف الحرب في السودان تناقضًا جوهريًا في سياستها الخارجية. فدولة تروّج للاستقرار والحداثة، تُتهم – بحسب تقارير استخباراتية غربية – بدعم ميليشيا متورطة في جرائم تطهير عرقي وإبادة جماعية في دارفور.
ورغم النفي الإماراتي القاطع، تؤكد التلغراف أن حجم الاتهامات وتكرارها، وتزامنها مع توسع اقتصادي مكثف، يجعل من الصعب فصل المال عن الدم.
السودان… قلب الإمبراطورية وموضع الاتهام
يحتل السودان موقعًا محوريًا في التحقيق. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، تحولت البلاد إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم، وسط اتهامات للإمارات بدعم مليشيا “الدعم السريع”. وتشير الصحيفة إلى أن هذه القوات، التي سيطرت على مدينة الفاشر بعد حصار طويل، متهمة بارتكاب فظائع واسعة، في حين تُتهم أبوظبي بتزويدها بطائرات مسيرة ومدفعية.
وترى التلغراف أن السودان ليس مجرد ساحة صراع، بل كنز استراتيجي: ذهب، وأراضٍ زراعية شاسعة، وموقع حيوي على البحر الأحمر، وهي عناصر تفسر – بحسب محللين – استعداد الإمارات لتحمل مخاطر سياسية وأخلاقية كبيرة.
شركة IHC… حين تختفي الحدود بين الدولة والشركة
يخصص التحقيق مساحة واسعة للحديث عن “الشركة القابضة الدولية” (IHC)، التي يرأس مجلس إدارتها الشيخ طحنون بن زايد. فهذه الشركة، التي بدأت قبل أقل من عقد كمشروع صغير، أصبحت اليوم واحدة من أضخم الكيانات الاقتصادية في الشرق الأوسط، بقيمة تفوق شركات نفط عالمية.
وتكشف التلغراف أن IHC تمتلك مئات الشركات التابعة، وتستحوذ على مناجم ومعادن وأراضٍ زراعية في دول أفريقية عدة، أبرزها السودان والكونغو وزامبيا. ويشبه دبلوماسي غربي هذا النموذج بشركة “الهند الشرقية”، في إشارة إلى كيان تجاري تحول إلى قوة شبه استعمارية.
اتهامات بالاستعمار الجديد ونهب الموارد
في أفريقيا، لا يُنظر إلى هذا التمدد باعتباره تنمية. فمنتقدون أفارقة وسودانيون يرون فيه شكلاً جديدًا من الاستعمار، حيث تُستخرج الموارد وتُصدّر العوائد إلى الخارج، بينما تبقى المجتمعات المحلية غارقة في الفقر والحروب.
وتشير التلغراف إلى أن شركات إماراتية تمتلك أراضي زراعية في أكثر من 12 دولة أفريقية، وأصولًا تعدينية في سبع دول، إضافة إلى شبكة موانئ تخدم بالأساس ميناء جبل علي، ما يعزز مركزية الإمارات كمحور لوجستي على حساب الاقتصادات المحلية.
تحالف مع أمراء الحرب: النفوذ مقابل السلاح
لا يكتمل التحقيق دون ربط المال بالسياسة الخشنة. فالتلغراف توثق علاقات منصور بن زايد مع قادة عسكريين مثيرين للجدل، مثل محمد حمدان دقلو في السودان وخليفة حفتر في ليبيا. هذه العلاقات، وفق الصحيفة، تعكس عقيدة إماراتية تقوم على دعم “الرجال الأقوياء” باعتبارهم سدًا أمام الإسلام السياسي والتحولات الديمقراطية، حتى لو أدى ذلك إلى تأجيج النزاعات.
لماذا يصمت الغرب؟
السؤال الأبرز في التحقيق: لماذا لا يتحرك الغرب؟
الإجابة، كما توحي التلغراف، تكمن في المصالح. فالإمارات شريك في الطاقة، والسلاح، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وتستضيف قواعد عسكرية أمريكية، وتضخ استثمارات ضخمة في الأسواق الغربية. في هذا السياق، يصبح التغاضي عن الاتهامات ثمنًا سياسيًا مقبولًا.
تحذير أخير: اختبار قادم للتحالفات
تختم التلغراف تحقيقها بالتحذير من أن هذا الصمت قد لا يدوم. فمع تفاقم الكوارث الإنسانية، وتراكم الأدلة حول دور المال الإماراتي في تغذية الصراعات، قد تجد العواصم الغربية نفسها أمام اختبار حقيقي: إما الاستمرار في شراكة مع نظام متهم بإجرام النفوذ، أو مواجهة حقيقة إمبراطورية بُنيت على الدم والذهب معًا.
اقرأ أيضًا : 12 قتيلاً بإطلاق نار في أستراليا.. حكومة نتنياهو تستغل الحادث للتحريض