هزّت أستراليا، صباح الأحد، واحدة من أكثر الحوادث دموية في تاريخها الحديث، بعد أن أسفر إطلاق نار خلال احتفال بعيد الأنوار اليهودي “الحانوكا” على شاطئ بونداي الشهير في مدينة سيدني عن مقتل 12 شخصًا وإصابة أكثر من 10 آخرين، وفق ما أعلنته السلطات المحلية. غير أن المأساة، التي فجّرت صدمة واسعة داخل المجتمع الأسترالي، لم تلبث أن تحولت إلى مادة سياسية خارجية، بعدما سارعت حكومة بنيامين نتنياهو إلى استثمارها للتحريض وتبرير خطابها القائم على خلطٍ متعمّد بين الجرائم الجنائية وبين التعاطف الدولي المتزايد مع الشعب الفلسطيني في ظل الإبادة الجماعية المتواصلة في قطاع غزة.
مشاهد إضافية من هجوم إطلاق النار الذي نفذه مسلحان على حفل يهودي في سيدني الأسترالية صباح اليوم. pic.twitter.com/ev0UHRgA30
— شبكة قدس الإخبارية (@qudsn) December 14, 2025
تفاصيل الهجوم وسياقه الأمني
وقالت شرطة ولاية نيو ساوث ويلز إن مسلحين فتحوا النار على فعالية نظمتها حركة “حاباد” اليهودية المتشددة، بمناسبة عيد “الحانوكا”، كان يشارك فيها قرابة ألفي شخص. وأكدت الشرطة اعتقال شخصين على خلفية الهجوم، مشيرة في بيان لاحق إلى تصنيف الواقعة رسميًا كـ”هجوم إرهابي”، بعد ارتفاع حصيلة القتلى إلى 12.
وأفادت هيئة البث الأسترالية (ABC) بأن أحد منفذي الهجوم قُتل خلال تدخل أمني سريع، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد الدوافع الحقيقية، وسط إجراءات أمنية مشددة ودعوات للسكان بالابتعاد عن المنطقة. وأكدت وسائل إعلام عبرية، من بينها “يديعوت أحرونوت”، أن حالة من الذعر سادت المكان، مع فرار عشرات المحتفلين، بينما ذكرت القناة السابعة العبرية أن من بين القتلى الحاخام إيلي شلينجر، أحد أبرز مبعوثي حركة “حاباد” إلى سيدني.
“حاباد” بين الدين والسياسة
ولا يمكن فصل الحدث عن طبيعة الجهة المنظمة للفعالية. فحركة “حاباد” تُعد من أكثر التيارات الدينية اليهودية تشددًا، وترتبط فكريًا وسياسيًا بمشاريع الاستيطان ورفض أي تسوية تعترف بالحقوق الوطنية الفلسطينية. كما لعبت الحركة أدوارًا دعوية وسياسية في دعم الاحتلال الإسرائيلي، سواء داخل فلسطين المحتلة أو في أوساط الجاليات اليهودية حول العالم، ما يجعل فعالياتها، في كثير من الأحيان، محمّلة برسائل سياسية تتجاوز الإطار الديني البحت.
استغلال إسرائيلي فجّ
ورغم أن التحقيقات الأسترالية لم تُعلن بعد أي نتائج حاسمة حول خلفيات الهجوم أو دوافعه، سارعت حكومة الاحتلال إلى القفز فوق الوقائع. إذ كتب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، في تدوينة على منصة “إكس”، أنه “مصدوم” من الهجوم، مدعيًا أنه “نتاج موجة معاداة السامية التي اجتاحت شوارع أستراليا خلال العامين الماضيين”، ومطالبًا الحكومة الأسترالية “بالعودة إلى رشدها”.
هذا الخطاب لم يكن معزولًا، بل جاء ضمن سياق إسرائيلي أوسع يسعى منذ أشهر إلى وصم أي تعاطف مع الفلسطينيين، أو أي احتجاج على جرائم الاحتلال في غزة، بأنه “معاداة للسامية”. وهي استراتيجية باتت مكشوفة، هدفها خنق الأصوات المنتقدة لإسرائيل، والتغطية على الجرائم الممنهجة التي ترتكبها حكومة نتنياهو بحق المدنيين الفلسطينيين، والتي وُصفت من قبل منظمات حقوقية دولية بأنها ترقى إلى إبادة جماعية.
ارتداد العنف لا يصنعه الضحايا
إن محاولات نتنياهو وحكومته تصوير الحادث في أستراليا كجزء من “حرب عالمية” على اليهود، تتجاهل حقيقة أساسية: أن سياسات الاحتلال القائمة على القتل الجماعي والحصار والتجويع والتطهير العرقي لا تمرّ دون تداعيات. فإرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل يوميًا في غزة والضفة الغربية، وتبثه شاشات العالم بلا انقطاع، يخلق مناخًا عالميًا مشحونًا، لكنه لا يبرر – ولا يفسر تلقائيًا – جرائم فردية أو هجمات دموية ضد مدنيين أبرياء في أي مكان.
غير أن الخطير في السردية الإسرائيلية هو سعيها لتحميل الفلسطينيين، وأنصارهم حول العالم، مسؤولية كل فعل عنف، في محاولة لتبييض صفحة الاحتلال، وتحويل الجاني إلى ضحية، والضحية إلى متهم. فالإجرام الذي يمارسه نتنياهو وحكومته لا يمكن فصله عن محاولاتهم الدائمة لتصدير أزماتهم الأخلاقية والسياسية إلى الخارج.
بين العدالة والتحريض
أستراليا، كدولة ديمقراطية، مطالبة بإجراء تحقيق شفاف ومستقل، يحدد المسؤوليات دون انجرار خلف ضغوط سياسية خارجية. أما حكومة نتنياهو، التي تواجه اتهامات متزايدة بارتكاب جرائم حرب، فآخر ما يحق لها هو المتاجرة بدماء الضحايا للتحريض وتكميم الأفواه. فالإرهاب، مهما كان مصدره، مدان، لكن استخدامه كأداة دعائية لتبرير الاحتلال والقتل المنهجي هو وجه آخر من وجوه الجريمة نفسها.
اقرأ أيضًا : داخلية غزة: اغتيال ضابط أمني برصاص عصابات مدعومة إماراتيًا خدمة للاحتلال