كشفت وثائق حديثة من ملفات رجل الأعمال الأمريكي المتورط في قضايا جنسية جيفري إبستين عن دوره المحوري، قبل وفاته داخل سجن مانهاتن عام 2019، في التوسط بصفقات بنية تحتية لصالح شركة موانئ دبي العالمية داخل نيجيريا.
وتُظهر المراسلات، التي تعود إلى صيف 2018، أن إبستين لم يكن مجرد وسيط مالي، بل مهندس علاقات سياسية وأمنية، سعى لتمكين الشركة الإماراتية من السيطرة على موانئ استراتيجية في غرب أفريقيا، خصوصًا في لاغوس وباداغري.
الرسائل المتبادلة كشفت عن تنسيق مباشر بين إبستين ورئيس مجلس إدارة الشركة السابق سلطان أحمد بن سليم، إضافة إلى مسؤولين نيجيريين نافذين، في إطار خطة طويلة الأمد لربط النفوذ الاقتصادي بالبنية الأمنية.

الميناء مقابل السيطرة الكاملة
تشير الوثائق إلى أن إدارة “موانئ دبي” كانت ترفض أي استثمار في مناطق صناعية دون امتلاك نفوذ مباشر على الموانئ المحيطة بها، معتبرة أن السيطرة اللوجستية شرط أساسي لحماية الاستثمارات.
هذا الموقف عطّل محاولات الشركة دخول السوق النيجيرية منذ عام 2005، إلى أن ظهر إبستين كوسيط قادر على فتح القنوات السياسية المغلقة.
في هذا السياق، أبلغ مسؤولون نيجيريون ابن سليم بقربهم من الرئيس السابق محمد بخاري، ومن دوائر المال والطاقة، ما أعطى الصفقة بعدًا سياسيًا يتجاوز منطق الاستثمار التقليدي.
الأمن كجسر للاقتصاد
لم يكن المسار الاقتصادي منفصلًا عن المسار الأمني. فقد ارتبط إبستين بعلاقة وثيقة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، شملت تعاونًا في مجالات الأمن السيبراني والاستثمار.
المراسلات بين الطرفين تكشف نظرة براغماتية للأزمات، حيث اعتُبرت الاضطرابات في أفريقيا والشرق الأوسط فرصًا لبيع “حلول أمنية مجرّبة”.
هذه الحلول شملت تقنيات مراقبة بيومترية وأنظمة تعرف على الوجه، سبق استخدامها في الأراضي الفلسطينية، ثم سُوّقت في نيجيريا تحت عنوان “مكافحة الإرهاب”.
وفي ظل تصاعد تهديدات جماعة بوكو حرام، دخلت شركات أمن إسرائيلية إلى السوق النيجيرية بوصفها شريكًا استراتيجيًا للدولة، مستفيدة من شبكة علاقات نسجها باراك بدعم مباشر من إبستين.
من الجامعات إلى شبكات المراقبة
لم تقتصر التجارب الأمنية على المنشآت الحكومية، بل امتدت إلى المؤسسات التعليمية. ففي منتصف العقد الماضي، جرى إطلاق مشاريع تجريبية في جامعات نيجيرية، استُخدمت فيها أنظمة “التعرف أثناء الحركة” داخل القاعات والمهاجع.
وقدّمت هذه المشاريع باعتبارها أدوات لحماية الحرم الجامعي، لكنها عمليًا شكّلت مختبرًا لتجربة تقنيات مراقبة شاملة، تسمح بفرز الأفراد وتتبع تحركاتهم.
كما موّل إبستين بشكل غير مباشر شركات متخصصة في الاستجابة الطارئة وجمع بيانات الهواتف الذكية، ما عزز تكامل الأمن الرقمي مع المصالح الاقتصادية.
بوابة النفط والطاقة
تكشف الوثائق أن الشراكات الأمنية لم تكن هدفًا نهائيًا، بل وسيلة لفتح أبواب أوسع في قطاع النفط والطاقة.
فمن خلال علاقاته مع قيادات الجيش والأمن، سهّل باراك، بتنسيق مع إبستين، وصول مستثمرين إسرائيليين وإماراتيين إلى مشاريع نفطية حساسة.
هذا التداخل بين الأمن والطاقة والموانئ حوّل نيجيريا إلى ساحة اختبار لنموذج نفوذ جديد، يعتمد على الدمج بين التكنولوجيا، واللوجستيات، والغطاء السياسي.
الإمارات وإبستين: علاقة ما قبل التطبيع
توضح الوثائق أن علاقة الإمارات بإبستين لم تكن عابرة أو ظرفية، بل امتدت لسنوات، وشملت لقاءات واتصالات مع شخصيات مالية وقانونية أمريكية بارزة.
وكان الهدف الرئيسي هو تسهيل بيئة سياسية ومالية مواتية لتوسّع الشركات الإماراتية في أفريقيا، بعيدًا عن الأضواء الإعلامية.
بعد وفاة إبستين، واصلت “موانئ دبي العالمية” تنفيذ جزء كبير من الخطة، فاستحوذت عام 2022 على حصة مسيطرة في شركة لوجستية نيجيرية، ووسّعت حضورها في لاغوس لاحقًا، مستفيدة من الشبكات التي أُسست سابقًا.
امتداد استراتيجي بعد “اتفاقيات أبراهام”
مع توقيع “اتفاقيات أبراهام” عام 2020، خرج هذا التعاون إلى العلن. فتقدّمت “موانئ دبي” بعرض للاستحواذ على ميناء حيفا، في خطوة عكست طموحها للربط بين موانئ المتوسط وغرب أفريقيا والخليج.
ورغم فشل الصفقة، تشير الوثائق إلى أن الأساس الحقيقي لهذا التقارب وُضع قبل التطبيع الرسمي بسنوات، عبر مسارات خفية جمعت إبستين وباراك وابن سليم.
شبكة نفوذ تتجاوز الأشخاص
تكشف هذه المعطيات أن قصة إبستين في نيجيريا لم تكن مجرد فضيحة فردية، بل جزءًا من شبكة مصالح معقدة، استخدمت الأمن الإسرائيلي بوصفه أداة تمهيد، والاستثمار الإماراتي بوصفه غطاءً اقتصاديًا.
في هذا النموذج، تتحول الموانئ من مرافق تجارية إلى منصات نفوذ، وتتحول التقنيات الأمنية من أدوات حماية إلى وسائل سيطرة.
وهكذا، يظهر أن علاقة الإمارات بإبستين لم تكن هامشية، بل حلقة مركزية في مشروع طويل الأمد لإعادة تشكيل خريطة النفوذ في أفريقيا، عبر بوابة تجمع بين المال، والتكنولوجيا، والسياسة.
اقرأ أيضًا : حماس ترفض مهلة تسليم سلاحها وتؤكد ثباتها على نهج المقاومة والعهود الوطنية