في ظلال الصراع المحتدم بين إسرائيل وإيران، لم تعد الحروب تُخاض فقط في الميدان أو عبر العقوبات، بل باتت العقول هدفًا مباشرًا. تكشف صحيفة لوموند الفرنسية في تقرير حديث، كيف نفذت إسرائيل سلسلة اغتيالات معقدة ضد 16 عالمًا إيرانيًا من الصف الأول خلال شهر حزيران/يونيو الماضي، معظمهم كانوا يعملون ضمن البرنامج النووي العسكري لطهران، بهدف شل القدرات البشرية اللازمة لإنتاج سلاح نووي.
وتؤكد تل أبيب أن هذه العمليات السرية والمركّزة، أكثر من أي قصف جوي، قد ألحقت أضرارًا لا تُعوّض بالمشروع الإيراني.

كيف طاردت إسرائيل العلماء الإيرانيين؟
لم يكن اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين وليد لحظة، بل هو نتيجة عمل استخباراتي طويل امتد لأكثر من عقدين. فمنذ محاولة اغتيال العالم فريدون عباسي عام 2010 – الذي نجا آنذاك بصعوبة – بدأت إسرائيل في تكثيف عملياتها السرية لاستهداف الأدمغة المسؤولة عن تطوير البنية العسكرية للبرنامج النووي الإيراني. عباسي، الذي ترأس لاحقًا المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، ظل من أبرز معارضي أي اتفاق دولي يقيّد طموحات طهران النووية، ما جعله هدفًا دائمًا في نظر الاستخبارات الإسرائيلية.
وخلال الهجمات الأخيرة في يونيو 2024، تم اغتياله بالفعل، إلى جانب علماء آخرين مرتبطين بـ”منظمة الابتكار والبحوث الدفاعية”، وهي الهيئة التي تتهمها إسرائيل بقيادة جهود عسكرة اليورانيوم المخصب وتحويله إلى سلاح فتاك. كما استهدفت إسرائيل محمد رضا صديقي صابر بعد ملاحقته من طهران إلى شمال إيران، وقُتل هناك برصاصة في الرأس. تشير هذه الوقائع إلى أن إسرائيل لا تتردّد في تصفية العلماء في أي مكان وتحت أي ظرف.
وتقول الصحيفة إن جهاز “الموساد” الإسرائيلي استخدم مزيجًا من التكنولوجيا، والتجسس البشري، والعملاء المحليين، وحتى طائرات مسيرة صغيرة لتنفيذ هذه الاغتيالات، مع الحفاظ على بصمة منخفضة لتجنّب الانكشاف.
الهدف الأعمق: تفكيك بنية البرنامج النووي من الداخل
ليست كل الضربات تُقاس بصوت الانفجار. ففي حين ركز الإعلام الدولي على قصف أميركي استهدف مواقع تخصيب اليورانيوم في “فوردو” و”نطنز” و”أصفهان”، رأت إسرائيل أن النجاح الحقيقي تحقق بصمت، عبر شلّ قدرات العقول التي كانت تشرف على تطوير الأبحاث النووية.
وبحسب المعطيات، ركّزت تل أبيب على استهداف المواقع البحثية المستعادة مؤخرًا، مثل موقع “سانجاريان” ومجمع “لافيزان 2″، الذي كان يحتضن شركة “شهيد كريمي” ومعهد الفيزياء التطبيقية. كما استهدفت مبنى حديثا في طهران تابعًا لوزارة الدفاع، يعتقد أنه كان يضم مختبرات تعمل على تصغير حجم القنبلة النووية وتطوير مصادر نيوترونية.
ويؤكد الجيش الإسرائيلي أنه دمر أيضًا مصنع تحويل اليورانيوم الغازي إلى معدن – وهو المكون الأخير اللازم لصناعة السلاح النووي – داخل منشأة أصفهان، مما يعني أن “سلسلة التصنيع” قد انقطعت من نهايتها.
ويرى ديفيد أولبرايت، رئيس معهد العلوم والأمن الدولي، أن إسرائيل دمرت كذلك الأرشيف الكامل للبحوث التي كانت تخزنها “منظمة الابتكار”، في امتداد لما بدأه الموساد حين استولى عام 2018 على وثائق حساسة من مخزن بطهران. بذلك، لم تُقتل العقول فحسب، بل أُبيدت معها المعرفة المؤسسية والتاريخية.
خاتمة: هل جُمّد البرنامج الإيراني أم تأجل؟
رغم الإنجاز الأمني الإسرائيلي الظاهر، يبقى السؤال مفتوحًا: هل دُفن المشروع النووي العسكري الإيراني فعلًا، أم أن طهران ستعيد بناءه بعقول جديدة؟ تشير تقديرات أمنية إلى أن إعادة إنتاج المعرفة والخبرة لن تكون سهلة، خصوصًا بعد خسارة أبرز علماء البرنامج وإتلاف وثائقه الأساسية.
لكن مع انسداد الأفق الدبلوماسي وغياب الشفافية، تظل كل السيناريوهات مطروحة، بما فيها اندفاع إيران سرًا نحو استكمال قنبلتها، دون أن يعلم أحد متى وكيف.
اقرأ أيضًا : الحوثيون يغرقون سفينة “ماجيك سيز”: البحر الأحمر ساحة صراع جديدة ضد هشاشة الردع الإسرائيلي