أثارت اللقطات المصورة التي بثتها وسائل إعلام عبرية، مساء الاثنين، جدلاً واسعًا في الأوساط الإسرائيلية، بعدما أظهرت لحظة أسر المقاومة الفلسطينية للجندي الإسرائيلي نمرود كوهين من قلب دبابته خلال عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
هذه المشاهد التي تُعرض للمرة الأولى منذ عامين، لم تقتصر على توثيق عملية ميدانية، بل كشفت عن عمق مأزق الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، وعن براعة المقاومة التي تمكنت من تنفيذ واحدة من أعقد العمليات ضد جيش الاحتلال المدجج بالسلاح.
الاسير نمرود كوهين يوم ٧ اكتوبر
pic.twitter.com/Vx0ZtBwEqV— Israeli Affairs Expert ايمن الحنيطي (@AymanHunaiti) August 25, 2025
مشاهد نادرة تهز الداخل الإسرائيلي
اللقطات التي انتشرت على نطاق واسع في الإعلام العبري ومواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت بوضوح جندياً إسرائيلياً يقع أسيراً بين أيدي مقاتلي كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بعد أن تم إخراجه من دبابته. أهمية هذه الصور أنها تُوثّق لأول مرة عملية أسر مباشرة لجنود من داخل آلياتهم العسكرية، وهو ما اعتبره محللون إسرائيليون “صدمة للرأي العام” و”طعنة في هيبة الجيش”.
هذه المشاهد جاءت في توقيت حساس للغاية، إذ تتزامن مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية التي تقودها عائلات الأسرى الإسرائيليين في غزة، ومع اقتراب عقد جلسة “الكابينت” لمناقشة مقترح وقف إطلاق نار لمدة 60 يومًا، ما جعل من الفيديو أداة ضغط إضافية على نتنياهو وحكومته.
عائلات الأسرى تضغط.. والمجتمع ينفجر غضبًا
لم يمر وقت طويل حتى أعلنت عائلات الأسرى عن تنظيم يوم تضامن وطني واسع، تحت شعار “إسرائيل تقف صفًا واحدًا”. وقد دعت إلى فعاليات أمام مقر السفارة الأمريكية في تل أبيب، ومسيرات في مختلف المدن، وصولًا إلى ساحة “المختطفين” حيث سيكون التجمع المركزي.
بيان العائلات كان صريحًا في اتهام الحكومة بالمماطلة في إنجاز صفقة تبادل، مؤكدة أنّ “الغالبية العظمى من الإسرائيليين تريد استعادة أحبائها”، وأن استمرار الحرب يتناقض مع قيم المجتمع الإسرائيلي. وفي الوقت ذاته، تُظهر الأرقام الرسمية أن الاحتلال لا يزال يحتفظ في سجونه بـأكثر من 10,800 أسير فلسطيني، بينهم نساء وأطفال، يعيشون ظروفًا قاسية من التعذيب والإهمال الطبي، وهو ما يزيد من حدة المقارنة الأخلاقية والسياسية داخل إسرائيل وخارجها.
مأزق نتنياهو: بين الشارع والجيش والوسطاء
تضع هذه التطورات نتنياهو أمام مأزق متعدد الأبعاد:
-
ضغط داخلي شعبي: المظاهرات التي تقودها عائلات الأسرى تكبر يومًا بعد يوم، وهو ما يهدد بخروجها عن السيطرة، خاصة مع اقتراب الذكرى الثانية لعملية طوفان الأقصى.
-
ضغط عسكري وأمني: الجيش يطالب بقرار سياسي واضح بشأن خططه لاحتلال مدينة غزة بالكامل، بينما يدرك قادته أن المشاهد المصورة لهزيمة الدبابات وأسر الجنود ستؤثر سلبًا على معنويات الجنود والاحتياط.
-
ضغط دبلوماسي: الوسطاء – قطر، مصر، والولايات المتحدة – يضغطون لإنجاز هدنة طويلة نسبياً، لكن نتنياهو يخشى من أن يُنظر إلى القبول بها كـ”انتصار لحماس” وهزيمة شخصية له.
هكذا يجد نتنياهو نفسه محاصرًا: إذا وافق على الهدنة فسيُتهم بالضعف أمام المقاومة، وإذا رفض فسيواجه انفجارًا اجتماعيًا داخليًا قد يُطيح بحكومته.
براعة المقاومة ورسائلها
من جهة أخرى، فإن نشر هذه المقاطع ليس مجرد توثيق، بل رسالة سياسية وعسكرية مركبة:
-
إثبات القدرة: تؤكد المقاومة أنها ما زالت تملك زمام المبادرة، وقادرة على إيلام الاحتلال حتى بعد مرور عامين من الحرب.
-
ضغط تفاوضي: الرسالة موجهة إلى إسرائيل بأن أوراق القوة ما زالت في يد حماس، وأن ملف الأسرى لن يُحسم إلا وفق شروطها.
- رفع المعنويات الفلسطينية: وسط المجازر المستمرة والمجاعة التي أودت بحياة مئات الفلسطينيين، يشكل عرض مثل هذه المشاهد دفعة أمل للمحاصرين في غزة ورسالة بأن المقاومة لم تنكسر.
كلفة الحرب المستمرة
في المقابل، يدفع الفلسطينيون ثمنًا باهظًا منذ 7 أكتوبر 2023، إذ تشير الأرقام إلى استشهاد 62,744 فلسطينيًا وإصابة 158,259 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال، فضلًا عن أكثر من 9 آلاف مفقود ومئات الآلاف من النازحين. كما تسبب الحصار والتجويع في وفاة 300 شخص جوعًا، بينهم 117 طفلاً، رغم قرارات محكمة العدل الدولية بوقف الإبادة.
هذه الأرقام تكشف أن استمرار نتنياهو في سياسته لا يحقق الأمن للإسرائيليين، ولا يوقف المقاومة، بل يفاقم عزلة إسرائيل دوليًا ويعرضها لاتهامات متزايدة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.
الخلاصة: صورة متصدعة ومستقبل غامض
تكمن خطورة الفيديو الجديد في أنه يعيد تذكير الإسرائيليين والعالم بأن الجيش الذي طالما رُوّج لأسطورته قابل للهزيمة في الميدان، وأن المقاومة الفلسطينية قادرة على اختراق صفوفه وتكبيده الخسائر الفادحة. في المقابل، يكشف المشهد عمق مأزق نتنياهو الذي يقف بين شارع غاضب وجيش مُحرج وحلفاء دوليين ضاغطين.
وبينما يسعى الاحتلال لتغطية عجزه بمزيد من القتل والتدمير، تبدو المقاومة ماضية في استراتيجية استنزاف طويلة المدى، قوامها الصمود الميداني، الضغط عبر ملف الأسرى، واستثمار كل ثغرة في جدار الدعاية الإسرائيلية.
في النهاية، قد تُصبح لحظة أسر نمرود كوهين، التي وثقتها الكاميرات، علامة فارقة في مسار الصراع؛ ليس فقط باعتبارها مشهدًا عسكريًا، بل كرمز لانكسار الهيبة الإسرائيلية أمام صمود المقاومة، ولعجز حكومة نتنياهو عن إيجاد مخرج يُرضي الداخل والخارج معًا.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يبحث عن وسطاء جدد: الإمارات في قلب المؤامرة