لم تكن معركة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل كانت محطة حاسمة في سباق النفوذ على مستقبل السودان بأسره.
فبعد سقوط المدينة في أيدي قوات محمد حمدان دقلو “حميدتي” أواخر أكتوبر/تشرين الأول، تحولت الفاشر إلى رمز لانتصار المشروع المدعوم إماراتيًا، الذي يسعى إلى إعادة رسم خريطة السيطرة في الغرب السوداني، وربط خطوط الإمداد العسكري والسياسي عبر المثلث الحدودي مع ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى.
وتتزايد الشواهد التي تؤكد أن السيطرة على الفاشر كانت هدفًا استراتيجيًا ذا أبعاد إقليمية، يتجاوز مجرد إحكام القبضة على دارفور، ليصل إلى طموحات أوسع تتعلق بموازين القوى في السودان، وفتح ممرات تجارة وسلاح تخدم أجندات خارجية، في مقدمتها الإمارات.

الفاشر.. عقدة الجغرافيا والسياسة في غرب السودان
يصف الخبير العسكري اللبناني العميد إلياس حنا الفاشر بأنها “نقطة تحول أساسية” في مسار الحرب، مشيرًا إلى أنها تفتح الباب نحو ليبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى، أي نحو فضاء إقليمي طالما شكّل خطوط إمداد غير رسمية عبر الصحراء.
فإقليم دارفور بطبيعته الجغرافية الممتدة والمتشابكة يعدّ قلب شبكة الطرق الصحراوية القديمة التي تصل الساحل الأطلسي بالبحر الأحمر، ومن يسيطر على الفاشر يملك مفاتيح المرور عبر تلك الشبكة. لذلك، يرى محللون أن السيطرة على المدينة تعني أيضًا التحكم في تجارة الذهب والسلاح والتهريب، وهي ملفات تحظى باهتمام كبير من شبكات النفوذ المرتبطة بالإمارات في غرب أفريقيا.
وبالنسبة للإمارات، فإن دارفور ليست مجرد ساحة نفوذ سياسي، بل منصة اقتصادية لتوسيع مصالحها في تجارة الذهب، إذ تشير تقارير أممية إلى أن أبوظبي استوردت خلال السنوات الأخيرة كميات ضخمة من الذهب السوداني عبر شركات مرتبطة بشبكات تهريب تعمل من دارفور. السيطرة على الفاشر، إذن، تمنح “حميدتي” ومن يقف وراءه القدرة على حماية هذه الشبكات وإعادة هيكلتها تحت غطاء السيطرة العسكرية.
الحرب بالوكالة.. عندما تتحول دارفور إلى مسرح لمشاريع إقليمية
منذ اندلاع الصراع في أبريل/نيسان 2023، ظهرت الإمارات كأحد أبرز الداعمين لقوات الدعم السريع، عبر إمدادات لوجستية وعسكرية تم توثيقها في تقارير عدة، كان آخرها تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة في يوليو/تموز الماضي، الذي أشار إلى نقل طائرات إماراتية معدات عسكرية إلى مطار أم جرس في تشاد قبل أن تتجه إلى مناطق يسيطر عليها الدعم السريع.
ويرى مراقبون أن هذه المساعدات لا يمكن فصلها عن مشروع سياسي أوسع، تسعى من خلاله أبوظبي إلى إقامة منطقة نفوذ في غرب السودان تضمن لها ممرات آمنة للموارد وتؤمن نفوذًا عسكريًا في قلب القارة الأفريقية.
ولذلك، فإن معركة الفاشر كانت “معركة الإمارات” بقدر ما كانت “معركة الدعم السريع”، إذ إن سقوط المدينة مثّل خطوة نحو تحقيق الهدف الأهم: تفكيك سلطة الجيش في الغرب، وفرض أمر واقع جديد يفتح الباب لتقسيم فعلي للسودان بين شرق وغرب وشمال.
ولعل تصريحات العميد حنا عن أن “سيطرة الدعم السريع على دارفور تفتح الطريق نحو كردفان” تكشف هذا المخطط بوضوح، فالتوسع جنوبًا يعني محاصرة الجيش السوداني في الوسط والشرق، حيث الموانئ والموارد، وحرمانه من الامتداد الجغرافي غربًا.
الجيش بين تفوق السلاح وصعوبة الميدان
ورغم امتلاك الجيش السوداني للدبابات والسيطرة الجوية كما يوضح العميد حنا، فإن الواقع الميداني لا يمنحه ميزة حاسمة. فدارفور ذات تضاريس قاسية وطرق محدودة — فقط 7 آلاف كيلومتر من أصل 31 ألف كيلومتر معبدة — مما يجعل حركة القوات الثقيلة بطيئة.
في المقابل، تعتمد قوات الدعم السريع على أسلوب “حرب العصابات” واستخدام المسيّرات الحديثة، وهو ما يجعلها أكثر قدرة على المناورة والانتشار في مناطق واسعة. هذا التباين في أسلوب القتال مكّنها من حسم معارك عدة، رغم افتقارها لسلاح الجو.
لكن السيطرة العسكرية لا تعني النصر السياسي، فحرب دارفور خلّفت كلفة إنسانية مهولة: أكثر من 12 مليون نازح، ومجازر وثقتها منظمات مثل “أطباء بلا حدود” و“المفوضية السامية لحقوق الإنسان”، وتحدثت تقارير عن عمليات تطهير عرقي في الفاشر خلال الأيام الأولى بعد سقوطها.
الإمارات والفاشر.. من الذهب إلى الدم
تُتهم الإمارات اليوم، ليس فقط بتمويل وتسليح قوات الدعم السريع، بل بالمشاركة في صياغة إستراتيجية تمتد من الذهب إلى الجغرافيا. فبحسب المجلس العربي ومصادر سودانية معارضة، فإن أبوظبي أنشأت خطوط إمداد عبر تشاد وأفريقيا الوسطى، وموّلت شراء مسيّرات ومركبات عسكرية (مثل “نمر عجمان”) وصلت إلى الميدان عبر وسطاء محليين.
ويرى محللون أن الدعم الإماراتي لا يرتبط بموقف سياسي تجاه الجيش فحسب، بل بمصالح اقتصادية واستراتيجية: السيطرة على طرق التجارة العابرة للصحراء، وضمان ولاءات قبلية، وإقامة حزام نفوذ في قلب القارة يربط بين السودان وتشاد ومالي والنيجر.
لكن هذه السياسة ارتدت سلبًا على سمعة أبوظبي، إذ وُصفت إداناتها الأخيرة لمجازر الفاشر بأنها “إدانة لنفسها”، كما علّق ناشطون على مواقع التواصل بعد تصريحات مندوبها في الأمم المتحدة الذي دعا إلى “محاسبة المسؤولين عن الفظائع”.
خاتمة – الفاشر: انتصار مؤقت ومأزق استراتيجي
قد تكون معركة الفاشر انتصارًا ميدانيًا لقوات الدعم السريع، لكنها في الجوهر فخّ استراتيجي. فكلما توسّعت رقعة السيطرة دون قاعدة سياسية جامعة، زادت احتمالات الانقسام والتدخل الأجنبي، وهو ما يجعل السودان أمام سيناريو شبيه بليبيا: مليشيات تسيطر على الأرض، ودول تموّل الصراع من بعيد.
ويختتم العميد حنا تحليله بأن “لا أحد سيربح هذه الحرب”، وأن نهايتها “لن تأتي إلا بتفاهم داخلي يوقف النزيف ويقطع يد الخارج”. لكن طالما ظلّت الفاشر رهينة لمشاريع النفوذ الإقليمي، سيبقى غرب السودان ساحة مفتوحة بين الذهب والدم، وبين الأطماع الإماراتية وأحلام الاستقلال السوداني.
اقرأ أيضا : العالم يقاطع الإمارات.. من صفقات السلاح إلى مجازر الفاشر