الكاتب/ أحمد محمد أحمد
أثار ظهور قائد ميداني من وحدة النخبة التابعة لكتائب القسام – الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) – في تسجيل مصوَّر من معارك حي الزيتون جنوب شرقي غزة، تساؤلات واسعة حول مغزى هذا الظهور، خصوصا أنه جاء متزامنًا مع تهديدات حكومة بنيامين نتنياهو بإعادة احتلال مدينة غزة.
لم يكن الظهور مجرد مشهد عابر، بل كان رسالة مركّبة تحمل أبعادًا عسكرية ونفسية وسياسية، سواء للمقاومة أو لجيش الاحتلال.
النخبة القسامية: رأس الحربة
تاريخيًا، تعد قوات النخبة القسامية العمود الفقري لعمليات الكوماندوز في كتائب القسام، إذ كانت رأس الحربة في هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 (طوفان الأقصى)، حين اقتحمت المواقع العسكرية والمستوطنات في غلاف غزة، وألحقت خسائر بشرية وميدانية غير مسبوقة بالجيش الإسرائيلي. هذه الوحدات تتميز بتجهيزها النوعي وتدريبها على مهام دقيقة، تشمل التسلل خلف خطوط العدو، حرب الأنفاق، الكمائن، والسيطرة على المواقع المحصنة.
لذلك، فإن ظهورها مجددًا في جبهة شرقي غزة لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره مؤشرًا على انتقال المعركة إلى مستوى أعلى من الاحتكاك المباشر، وإعادة تذكير الاحتلال بأن المعركة ما زالت بعيدة عن الحسم.
دلالات الظهور: بين الردع والتحدي
الخبير العسكري حاتم كريم الفلاحي اعتبر أن إدخال هذه الوحدات إلى الميدان يفتح فصلًا جديدًا من المواجهة. فالقسام ظل طوال الشهور الماضية يعتمد على حرب الاستنزاف باستخدام القذائف الصاروخية، العبوات الناسفة، والكمائن المتنقلة. لكن إشراك قوات النخبة يعكس أن الحركة تحتفظ بقدرات خاصة لم تُستنزف رغم الضربات الجوية المكثفة.
- رسالة إلى المقاومة: القائد الملثم الذي ظهر في التسجيل خاطب مقاتليه قائلا: “الله لا يعطي أصعب المعارك إلا لأقوى جنوده”، في تذكير بمعنويات عالية رغم ضراوة المواجهات. هذا الظهور يمنح المقاتلين دفعة نفسية، ويؤكد أن قيادات ميدانية بارزة ما زالت صامدة بين صفوفهم.
- رسالة إلى الاحتلال: وجود النخبة يعني أن أي توغل في مدينة غزة لن يكون نزهة عسكرية، بل فخ دموي محكم ينتظر القوات المهاجمة، وهو ما يفسر تردد الجيش الإسرائيلي في تنفيذ تهديداته حتى الآن.
- رسالة إلى الجمهور الفلسطيني والعربي: بأن المقاومة قادرة على إدارة المعركة طويلة الأمد، ولديها أوراق غير مكشوفة بعد.
البعد الميداني: تكتيكات متجددة
المشاهد التي بثتها القسام أظهرت رصدًا دقيقًا لتحركات الاحتلال حتى داخل الأبنية التي تحصن بها الجنود. هذا يشير إلى أن المقاومة طورت أدواتها الاستخبارية الميدانية، واستخدمت أسلوب “الصياد المترقب” بدلًا من المواجهة المكشوفة.
كما أن معركة حي الزيتون كشفت عن قدرة النخبة على التنقل بين الأنفاق والمباني، مما يعيق تفوق الاحتلال الجوي ويجعل قواته مكشوفة في مساحات ضيقة. وبحسب محللين، فإن هذه التكتيكات قادرة على إطالة أمد المعركة واستنزاف الاحتلال عسكريًا ومعنويًا.
ما بين التهويل الإسرائيلي والواقع الميداني
رغم التهديدات المتكررة بإعادة احتلال غزة، فإن الجيش الإسرائيلي لم ينجح حتى الآن في فرض سيطرة فعلية على قلب المدينة. التوغل بقي محصورًا في الأطراف الشرقية مثل حي الزيتون، حيث واجه مقاومة شرسة أجبرته على التراجع مرارًا.
وبينما تحاول حكومة نتنياهو تصوير الأمر كـ”مسألة وقت”، فإن ظهور قوات النخبة ينسف هذه الرواية، لأنه يثبت أن المعركة لم تصل بعد إلى مرحلة الانهيار المقاوم، بل على العكس دخلت في مستوى جديد من التصعيد.
الأثر النفسي: ثبات المقاوم وانكسار الجندي
لا يقل البعد النفسي أهمية عن البعد العسكري. فظهور النخبة القسامية يرسخ صورة الثبات مقابل صورة مرتبكة للجيش الإسرائيلي الذي يتكتم على خسائره البشرية المتزايدة. في المقابل، رسائل القسام المصوَّرة – حيث يظهر القائد بين المقاتلين لا من غرف العمليات – تُعطي الانطباع بأن المقاومة مترابطة ميدانيًا، بينما يعيش الاحتلال أزمة ثقة داخلية بين القيادة والجنود وعائلاتهم.
هذا الفارق يضاعف من معنويات المقاتلين الفلسطينيين ويضعف الروح القتالية للجنود الإسرائيليين الذين يرون أنفسهم مطاردين في كل شارع وزقاق.
أبعاد استراتيجية: بين غزة و”ما بعد غزة”
ظهور النخبة القسامية لا يقتصر أثره على معركة غزة وحدها، بل يحمل أبعادًا استراتيجية أوسع:
-
للاحتلال: هو تحذير من أن أي محاولة لفرض سيطرة عسكرية كاملة ستكلفه خسائر باهظة قد تسرّع أزمته السياسية الداخلية.
-
للمقاومة: هو إثبات امتلاك أوراق ردع مستمرة، بما يضمن استمرار الدعم الشعبي وصمود الجبهة الداخلية.
- للإقليم: هو رسالة إلى داعمي الاحتلال أن الحسم العسكري في غزة مستحيل، وأن خيار التفاوض السياسي قد يفرض نفسه كبديل وحيد بعد استنزاف إسرائيل ميدانيًا.
خاتمة: النخبة كمعادلة ردع
باختصار، ظهور قوات النخبة القسامية شرق غزة يعني أن المعركة انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، وأن حماس تعيد استخدام قواتها الخاصة كرأس حربة للردع والاشتباك المباشر. هذه الخطوة لا تُظهر فقط مرونة المقاومة وقدرتها على التكيف، بل أيضًا تكشف هشاشة تهديدات نتنياهو الذي يدرك أن أي تقدم نحو وسط غزة سيكلفه أثمانًا فادحة.
من هنا، يمكن القول إن النخبة القسامية باتت اليوم عنوانًا لصمود المقاومة ورمزًا لفشل الاحتلال في فرض معادلاته بالقوة، لتتحول من مجرد وحدة قتالية إلى معادلة ردع كاملة تعيد رسم ملامح المعركة في غزة.
اقرأ أيضًا : مئات القتلى وآلاف المصابين.. إلى متى ستتحمل إسرائيل التكلفة الباهظة للحرب على غزة؟