شهد مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك، مساء الاثنين، انعقاد مؤتمر “حل الدولتين” الذي دعت إليه السعودية وفرنسا، وسط غياب الولايات المتحدة وإسرائيل، وحضور لافت لزعماء وقادة عرب وأوروبيين. المؤتمر مثّل محطة مفصلية في مسار الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، حيث أعلنت عدة دول أوروبية اعترافها الرسمي بالدولة الفلسطينية، كما تعهّد المجتمعون بإطلاق مبادرات لإعادة إعمار قطاع غزة.

اعترافات أوروبية تفتح الطريق

برز في المؤتمر إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اعتراف بلاده رسمياً بدولة فلسطين، مؤكداً أنّ هذه الخطوة “تفتح الطريق أمام خطة السلام وكسر دوامة العنف في المنطقة”. وأوضح أنّ باريس ستفتتح سفارة في الأراضي الفلسطينية، مشروطاً ذلك بإطلاق سراح الأسرى ووقف إطلاق النار في غزة.

إلى جانب فرنسا، أعلنت كل من مالطا ولوكسمبورغ وبلجيكا الاعتراف بدولة فلسطين، لترتفع بذلك قائمة الدول المعترفة إلى 154 من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة. هذه الموجة من الاعترافات جاءت بعد أيام قليلة من إعلان بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال خطوات مماثلة، ما يشير إلى تصاعد زخم الاعتراف الدولي وإحراج واشنطن وتل أبيب على الساحة الدبلوماسية.

الموقف العربي: دعم شامل لحل الدولتين

في كلمة ألقاها وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان نيابة عن ولي العهد محمد بن سلمان، وصف المؤتمر بأنّه “فرصة تاريخية نحو تحقيق السلام العادل في المنطقة”، مشدداً على التزام الرياض بالعمل مع جميع الأطراف لترسيخ دولة فلسطين ووقف العدوان على غزة.

من جانبه، دعا العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى وقف الحرب فوراً وتفعيل حل الدولتين، مذكّراً بأنّ الأمم المتحدة منذ ثمانين عاماً تعقد الاجتماعات نفسها للتنديد بالظلم، من دون أن يتحقق العدل على الأرض.

كما شدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على أنّ “القضية الفلسطينية اليوم باتت قضية العالم بأسره”، مرحّباً بالاعترافات الدولية الأخيرة ومعتبراً أنها تسهم في تسريع خطوات تطبيق حل الدولتين.

أما محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، فقد ألقى كلمة عبر الفيديو بعد أن حُرم من تأشيرة دخول الولايات المتحدة، وقال فيها: “دولة فلسطين هي الجهة الوحيدة المخوّلة بالحكم في غزة، وليس لحماس أي دور في ذلك”، مؤكداً رغبته في دولة فلسطينية تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل في سلام.

أوروبا تضع خطة لإعادة إعمار غزة

في مداخلتها، ركّزت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على الجانب الإنساني، مشددة على أنّ وقف الحرب وإطلاق سراح الأسرى شرط أساسي لأي تسوية. وأعلنت عن إنشاء “مجموعة مانحين لدولة فلسطين” وإيجاد آلية شاملة لإعادة إعمار قطاع غزة، الذي دُمّر بشكل شبه كامل بفعل الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكثر من عامين.

هذا التوجّه الأوروبي لم يقتصر على الجانب الإنساني فقط، بل حمل أبعاداً سياسية، إذ يُراد منه تثبيت حضور الاتحاد الأوروبي لاعباً أساسياً في ملف التسوية، في ظل انسحاب واشنطن أو على الأقل تراجع دورها بعد المقاطعة العلنية للمؤتمر.

غياب أمريكي وإسرائيلي: دلالات ورسائل

المقاطعة الأمريكية والإسرائيلية للمؤتمر شكّلت بدورها رسالة سياسية واضحة. فمن جهة، واشنطن لم ترغب في إعطاء شرعية لمسار تقوده الرياض وباريس قد يضعف هيمنتها على ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ومن جهة أخرى، حكومة نتنياهو التي ترفض أي حديث عن حل الدولتين اعتبرت المؤتمر تهديداً مباشراً لسياساتها القائمة على توسيع الاستيطان وإنكار الحقوق الفلسطينية.

لكنّ الغياب لم يمنع الحاضرين من استكمال أعمال المؤتمر، بل زاد من إصرارهم على الدفع نحو مسار بديل، يمنح الفلسطينيين اعترافاً دولياً ويمهّد لتغيير قواعد اللعبة الدبلوماسية.

القضية الفلسطينية تعود إلى صدارة الاهتمام الدولي

يُجمع المراقبون على أنّ المؤتمر شكّل منعطفاً في إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية. فبعد سنوات من التهميش والالتفاف حولها عبر مشاريع اقتصادية أو اتفاقيات تطبيع، باتت فلسطين اليوم حاضرة بقوة في أروقة الأمم المتحدة والعواصم الغربية.

ويعزو محللون هذا التحوّل إلى ثلاثة عوامل رئيسية:

  1. العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة وما خلّفه من جرائم إبادة وصور مأساوية أعادت الوعي العالمي بخطورة الاحتلال.

  2. حراك دبلوماسي عربي وأوروبي مشترك تقوده الرياض وباريس، أعاد صياغة المشهد بعيداً عن التفرد الأمريكي.

  3. ضغط الرأي العام العالمي، خصوصاً في الغرب، الذي أصبح أكثر ميلاً لمحاسبة إسرائيل ودعم الفلسطينيين.

نحو مسار جديد؟

يبقى السؤال الأساسي: هل تمثّل هذه الاعترافات والمؤتمرات نقطة تحول حقيقية نحو تجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض، أم مجرد رمزية سياسية بلا أثر عملي؟

الجواب ما زال رهناً بمدى التزام الدول الكبرى، وقدرتها على فرض ضغوط فعلية على الاحتلال الإسرائيلي لوقف حربه المستمرة، والقبول بمبدأ الحل النهائي وفق قرارات الشرعية الدولية. ومع ذلك، فإنّ الزخم الحاصل حالياً يفتح نافذة أمل جديدة للفلسطينيين، ويعيد توازن القوى الدبلوماسي الذي ظل لعقود مرتهناً لإرادة واشنطن وتل أبيب.

إنّ مؤتمر “حل الدولتين” في نيويورك، رغم غياب بعض الأطراف المؤثرة، أعاد الاعتبار لفكرة أنّ فلسطين ليست قضية إقليمية فحسب، بل قضية عدالة دولية بامتياز. ومن هنا، فإنّ الاعترافات الأخيرة والتعهّدات بإعادة إعمار غزة قد لا تكون مجرد خطوات رمزية، بل بداية مسار أطول نحو تغيير قواعد اللعبة السياسية في الشرق الأوسط.

اقرأ أيضًا : مجازر بشعة في غزة وسط موجات نزوح جديدة