في مشهد يختزل وحشية الحرب المستمرة منذ عامين على قطاع غزة، صعّد جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال الساعات الأخيرة هجماته الجوية والبرية على مدينة غزة، مرتكبًا مجازر مروّعة بحق المدنيين، في وقت تتواصل فيه موجات نزوح جديدة وسط ظروف إنسانية مأساوية. المشهد لم يعد مجرد قصف متقطع، بل تحول إلى سياسة إبادة جماعية ممنهجة تهدف إلى اقتلاع السكان من جذورهم وإحكام السيطرة على الأرض.

تل الهوا والتفاح.. بؤر الموت

تركزت الهجمات الأخيرة على حي تل الهوا غربي مدينة غزة، حيث استشهد أكثر من 50 مدنيًا جراء استهداف الاحتلال منزلًا سكنيًا مكتظًا بالعائلات، ولا تزال جثث بعض الضحايا تحت الأنقاض، في ظل عجز فرق الدفاع المدني عن الوصول إليهم بسبب كثافة القصف. وفي حي التفاح شرقي المدينة، تعرضت منازل المدنيين للقصف المباشر، ما أدى إلى تدمير واسع وإصابة أعداد جديدة من العائلات.

لم تقتصر جرائم الاحتلال على القصف الجوي فقط، بل لجأ الجيش إلى استخدام مجنزرات مفخخة بأطنان من المتفجرات لتدمير الأحياء السكنية في تل الهوا، في خطوة تكشف عن تصميم على محو الأحياء من الخارطة، تزامنًا مع إلقاء منشورات تطالب السكان بالإخلاء الفوري نحو الجنوب. هذه السياسة المزدوجة: القصف من السماء والتفجير من الأرض، تؤكد أن الهدف هو التهجير القسري الشامل.

مستشفيات مكتظة ومجازر متواصلة

مستشفيات القطاع باتت عاجزة عن استيعاب أعداد الشهداء والجرحى. فقد استقبل مستشفى الشفاء 37 شهيدًا دفعة واحدة، بينما وصل إلى المستشفى المعمداني 10 شهداء آخرين، واثنان إلى مستشفى العودة، وثلاثة إلى مجمع ناصر الطبي في خانيونس.

كما شهد مجمع ناصر واحدة من أبشع الجرائم، حيث وصل 7 شهداء بينهم ثلاثة أطفال وسيدتان، إضافة إلى 20 إصابة معظمها لأطفال ونساء، بعد قصف إسرائيلي استهدف تجمعًا للمدنيين أمام عيادة تابعة لوكالة الأونروا في مخيم البريج وسط القطاع. هذه الاستهدافات تؤكد أن الاحتلال لم يعد يميز بين بيت سكني أو منشأة أممية أو مستشفى.

نزوح قسري ومعاناة لا توصف

وفقًا لوكالة الأونروا، فإن ما يقرب من 1.9 مليون فلسطيني نزحوا قسرًا منذ بداية العدوان، أي أكثر من 85% من سكان القطاع. الوكالة وصفت الوضع الإنساني بأنه “لا يمكن تصوره”، مشيرة إلى أن السكان يعانون من الجوع، وانعدام المأوى، وانهيار كامل للخدمات الصحية.

المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في غزة، أولغا تشيريفكو، حذّرت من أن آلاف النازحين يتجهون جنوبًا دون وجود أماكن لإيوائهم، مؤكدة أن الخدمات الصحية وصلت إلى حافة الانهيار. الناس يفرون من الشمال إلى الجنوب، لكنهم لا يجدون سوى خيام مكتظة أو أراضٍ بلا حماية ولا غذاء ولا دواء.

الموت جوعًا.. وجه آخر للإبادة

إلى جانب القصف، يواجه الفلسطينيون في غزة حربًا صامتة: الموت جوعًا. وزارة الصحة الفلسطينية أعلنت وفاة أربعة أشخاص خلال 24 ساعة بسبب سوء التغذية، بينهم الطفلة حبيبة أبو شعر (3 أعوام) في مجمع ناصر الطبي. ليرتفع عدد شهداء التجويع إلى 440 فلسطينيًا، بينهم 147 طفلًا.

تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) كشف أن أكثر من 28 ألف حالة سوء تغذية حاد سُجلت بين الأطفال دون سن الخامسة خلال شهري يوليو وأغسطس فقط، وهو رقم يفوق إجمالي الحالات المسجلة خلال النصف الأول من العام. هذه الأرقام تمثل ناقوس خطر يصرخ في وجه العالم الصامت.

غوتيريش: أسوأ دمار في حياتي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في تصريحاته الأخيرة، وصف ما يجري بأنه “أسوأ مستوى من الموت والدمار رأيته منذ أن توليت منصبي وربما في حياتي”. وأضاف أن الشعب الفلسطيني يعيش في ظروف لا يمكن وصفها: مجاعة، حرمان كامل من الرعاية الصحية، وأوضاع معيشية مأساوية في مناطق مكتظة.

غوتيريش شدد على أن العالم يجب أن لا يخشى “ردود الفعل الإسرائيلية”، مؤكدًا أن ما يحدث ليس ردًا انتقاميًا بل سياسة متواصلة تهدف إلى تدمير غزة وضم الضفة الغربية تدريجيًا. تصريحاته مثلت صرخة واضحة بضرورة تحرك المجتمع الدولي لوقف الإبادة.

أرقام صادمة وصمت مريب

وزارة الصحة الفلسطينية أعلنت أن حصيلة العدوان منذ 7 أكتوبر 2023 ارتفعت إلى 65,283 شهيدًا و 166,575 مصابًا، في حين يواصل الاحتلال استهداف المدنيين بلا توقف. كل ذلك يحدث وسط صمت دولي وعجز عربي مخزٍ، وكأن دماء الفلسطينيين لا تجد من يحميها أو يدافع عنها.

هذا الصمت، مع تصاعد المجازر والنزوح، يعكس تواطؤًا دوليًا وإقليميًا يفتح الباب أمام الاحتلال لتنفيذ مخططاته دون رادع. فالمنطقة تشهد أبشع عملية تطهير عرقي في العصر الحديث، فيما يكتفي العالم بالبيانات الجوفاء.

خاتمة

ما يجري في غزة ليس مجرد حرب، بل مشروع إبادة جماعية موثق بالأرقام والشهادات والدماء. كل قذيفة تسقط، وكل جثة تُنتشل من تحت الأنقاض، وكل طفل يموت جوعًا، هي وصمة عار في جبين الإنسانية. ومع استمرار النزوح الجماعي والمجازر اليومية، فإن التاريخ سيسجل أن العالم شاهد على الجريمة ولم يحرك ساكنًا، بينما تحولت غزة إلى مسرح مفتوح للموت، وصمود شعبها إلى عنوان للكرامة في وجه الإبادة.

اقرأ أيضًا : الإمارات خلف المجازر.. الفاشر تحت نيران الدعم السريع