في تصعيد لافت على الجبهة السورية، أعلنت إسرائيل بشكل غير مباشر عن دخولها مجددًا على خط المعادلة في الجنوب السوري، عبر تصريحات وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي قال بوضوح: “منطقة جنوب سوريا ستبقى منزوعة السلاح”، مؤكدًا أن “إسرائيل لا تثق بالرئيس السوري أحمد الشرع”، ومشيرًا إلى أن “الجماعات التي تستهدف الدروز اليوم ستستهدف إسرائيل غدا”.
هذه التصريحات تتزامن مع غارات إسرائيلية واسعة على العاصمة السورية دمشق ومواقع عسكرية في الجنوب، بذريعة “حماية الدروز” في السويداء ودرعا.
وتشير هذه التطورات إلى تحولات خطيرة، حيث يعاد خلط الأوراق في الجنوب السوري في ظل الانهيار الأمني الذي تعيشه البلاد، والدعوات المتزايدة من بعض الأطراف الدرزية في السويداء لتدخل دولي، بل وحتى تقديم بعضهم نداءات علنية لإسرائيل.

حماية الدروز أم توطئة لتدخل استراتيجي؟
لم تكتف إسرائيل بالغارات على دمشق ودرعا والسويداء، بل أعلنت عبر هيئة البث الرسمية أن آلافًا من أبناء الطائفة الدرزية الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي أعربوا عن “استعدادهم للقتال إلى جانب إخوتهم في السويداء”، وهو ما يعد سابقة سياسية وعسكرية تعكس حجم التورط الإسرائيلي المحتمل في الداخل السوري، تحت غطاء طائفي.
ولم يكن تصريح كاتس منفصلًا عن مشهد عسكري متوتر، إذ نقلت وسائل الإعلام العبرية أن وزارة الصحة الإسرائيلية تستعد لإرسال مساعدات طبية إلى السويداء، وأن الجيش سيشرف على إيصالها عبر قنوات أمنية، ما يكرس وجودًا إسرائيليًا ميدانيًا في الجنوب السوري، حتى وإن تم تغليفه بغطاء إنساني.
أما في السياق الدبلوماسي، فقد كشف كاتس أنه عقد اجتماعًا “مثمرًا” في البنتاغون مع نظيره الأميركي بيت هيغسيث، بهدف “جعل الشرق الأوسط مكانًا أكثر أمانًا لمصالح إسرائيل والولايات المتحدة”، في إشارة واضحة إلى التفاهم الأميركي الإسرائيلي حول استراتيجية جديدة في سوريا، تعزز الانقسام الطائفي وتفتح المجال أمام تصعيد أمني على الحدود الشمالية لإسرائيل.
رسائل إسرائيلية خطيرة
الغارات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مقار حساسة في دمشق – بينها مقر وزارة الدفاع وهيئة الأركان ومحيط القصر الجمهوري – لا يمكن قراءتها فقط في إطار حماية الدروز.
فالضربات جاءت في وقت تحاول فيه الحكومة السورية بقيادة أحمد الشرع أن تعيد بناء الدولة وتستعيد عافيتها خاصة بعد رفع العقوبات الأميركية عنها بالتزامن مع رغبة الاحتلال إبقاء سوريا ضعيفة ومهمشة.
من هنا يمكن فهم تصريح كاتس حول عدم “الثقة بالشرع”، كإشارة إلى نية إسرائيل منع الأسد من إعادة بناء قوته في الجنوب، سواء عبر الحرس الجمهوري أو أجهزة الأمن التابعة له، وهو ما يفسر تركيز الغارات على مؤسسات الحكم في دمشق بدل الاقتصار على قواعد تابعة لإيران كما كان الحال في السنوات الماضية.
ولعل أخطر ما حملته التصريحات والغارات، هو قرار إسرائيل نقل قوات إلى هضبة الجولان السوري المحتل، وهي رسالة مفادها أن إسرائيل مستعدة لنقل قواعد الاشتباك من الضربات الجوية المحدودة، إلى تمركز عسكري دائم قد يوازي وجودًا بريًا مؤقتًا قرب نقاط التماس.
السويداء في مرمى التجاذبات: بين الثورة والوصاية الخارجية
تأتي هذه التطورات في ظل حراك طائفي درزي في السويداء، يتضمن رفضًا للنظام السوري وسياساته، وتشكيلًا لهياكل تنظيمية محلية تتحدث عن إدارة ذاتية، وهو ما يُفسر ازدياد اهتمام الاحتلال لضرب الثورة السورية عبر الدروز.
إسرائيل تسعى لاستثمار الواقع الطائفي والفراغ الأمني والسياسي في السويداء، لدفع الأمور نحو مقاربة شبيهة بتجربة جنوب لبنان في الثمانينات، حين دعم الاحتلال “جيش لبنان الجنوبي” بزعامة سعد حداد، بذريعة حماية المسيحيين.
وهو السيناريو الذي يلوح في الأفق السوري اليوم، حيث يتم التمهيد لتدخل تحت عنوان “حماية الدروز” بينما الهدف الحقيقي هو خلق شريط آمن يبعد الثورة السورية عن حدود الجولان، ويمنح إسرائيل نفوذًا جغرافيًا جديدًا في العمق السوري.
خاتمة: من الجنوب السوري إلى طاولة واشنطن
لم تعد الغارات الإسرائيلية على سوريا مجرد عمليات تكتيكية بل تحولت إلى أدوات سياسية ترتبط بالداخل السوري المتشظي، وبحسابات إسرائيلية أميركية لإعادة رسم حدود النفوذ.
والأخطر هو تصاعد الأصوات المحلية في السويداء التي تطلب علنًا دعم إسرائيل، ما يمنح الأخيرة غطاءً معنويًا لتدخلها، في وقت يحاول فيه احمد الشرع ورفاقه استعادة قوة الدولة وتخطي المرحلة المتذبذبة إلى الاستقرار الذي سيدفع سوريا للأمام.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يُصعّد في الضفة: اعتقالات بالجملة واقتحامات مسلحة وجرائم دون رادع