انتخب الحزب الليبرالي الحاكم في كندا المصرفي السابق مارك كارني زعيمًا جديدًا للحزب ورئيسًا للحكومة المقبلة، ليحل بذلك محل جاستن ترودو، في وقت تواجه فيه البلاد توترات غير مسبوقة مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب.

وجاء فوز كارني الساحق بنسبة 85.9% من الأصوات، متفوقًا على وزيرة المالية السابقة كريستيا فريلاند، التي حلت في المركز الثاني في سباق على الزعامة شارك فيه أكثر من 150 ألفًا من أعضاء الحزب.

وفي خطاب النصر الذي ألقاه في العاصمة أوتاوا، وجّه كارني تحذيرًا صريحًا من التهديدات القادمة من واشنطن، قائلًا: “الأمريكيون يريدون بلدنا، لكننا لن نسمح لترامب بالانتصار”، مشددًا على ضرورة إعادة بناء الاقتصاد وإقامة علاقات تجارية جديدة تحمي السيادة الكندية. 

وتزامنت تصريحاته مع تصاعد القلق في الأوساط السياسية الكندية من سياسات ترامب الاقتصادية المتشددة، لا سيما تلك التي تستهدف كندا مباشرة.

كارني يواجه إرث ترودو وأزمة العلاقات مع واشنطن

يأتي انتخاب كارني وسط تحديات كبرى تعصف بالحزب الليبرالي، الذي تراجعت شعبيته في الأشهر الأخيرة بسبب تفاقم أزمات التضخم، الإسكان، وارتفاع تكاليف المعيشة. 

وكانت هذه العوامل من الأسباب التي دفعت جاستن ترودو إلى إعلان تنحيه عن قيادة الحزب ورئاسة الحكومة في يناير/كانون الثاني الماضي، بعد نحو عقد من الحكم. 

وأشار ترودو في خطابه الوداعي، الذي ألقاه قبيل إعلان نتائج التصويت، إلى أن كندا تواجه “تحديًا وجوديًا” بسبب السياسات العدائية التي تنتهجها الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب، في إشارة إلى العقوبات الاقتصادية والقيود التجارية التي فرضتها واشنطن خلال السنوات الماضية.

وسلط ترودو الضوء على خطورة الوضع الاقتصادي الراهن، مشيرًا إلى أن العلاقات بين البلدين وصلت إلى نقطة حرجة مع استمرار ترامب في فرض رسوم جمركية مشددة على المنتجات الكندية، وتهديده المتكرر بعرقلة اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)، مما أدى إلى توتر غير مسبوق في العلاقات الثنائية.

وتُوّجت هذه السياسات العدائية بتصريحات ترامب الأخيرة، التي وصف فيها كندا بأنها “الولاية الأمريكية رقم 51″، وهو ما أثار غضبًا واسعًا داخل الأوساط السياسية الكندية، وأعاد النقاش حول استقلالية كندا الاقتصادية عن الولايات المتحدة.

معركة اقتصادية وسياسية جديدة بين أوتاوا وواشنطن

لم يضيع كارني الوقت في الرد على هذه التهديدات، حيث أكد في خطابه أنه لن يسمح لكندا بأن تصبح رهينة للسياسات الأمريكية المتقلبة، متعهدًا باتخاذ إجراءات صارمة لحماية الاقتصاد الوطني وتعزيز السيادة الكندية. 

وقال: “على الأمريكيين ألا يقعوا في هذا الخطأ. ففي التجارة، كما في الهوكي، كندا دائمًا تفوز”.

ووفقًا لمصادر حكومية، فإن إدارة كارني تخطط لاتخاذ تدابير انتقامية ضد السياسات التجارية الأمريكية، بما في ذلك فرض رسوم جمركية على المنتجات الأمريكية الحيوية، وتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي مع أوروبا وآسيا للحد من الاعتماد المفرط على الأسواق الأمريكية.

كما يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تصعيدًا دبلوماسيًا بين البلدين، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية، التي قد تشهد إعادة انتخاب ترامب لفترة رئاسية جديدة، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من التوترات الاقتصادية والسياسية بين أوتاوا وواشنطن.

كارني وسياسة الإصلاحات الاقتصادية الداخلية

على الصعيد المحلي، وعد كارني بإجراء إصلاحات اقتصادية جذرية لمعالجة الأزمات الداخلية، بما في ذلك إطلاق مشاريع كبرى في مجال الإسكان والطاقة النظيفة، وتحرير التجارة بين المقاطعات الكندية، فضلًا عن تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة.

وأثناء حملته الانتخابية، شدد كارني على أهمية خفض العجز في الميزانية وإصلاح النظام الضريبي، مشيرًا إلى أن التوسع الحكومي بنسبة 40% في عهد ترودو كان أحد الأسباب الرئيسية لتفاقم الأزمة الاقتصادية.

وأعلن عزمه على وضع حد أقصى لحجم الحكومة الفيدرالية، وتقليص البيروقراطية لصالح الاستثمار في المشاريع الحيوية.

وبالإضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية، يواجه كارني تحديًا سياسيًا يتمثل في قيادة حكومة أقلية في البرلمان، وهو ما قد يدفعه إلى الدعوة لانتخابات مبكرة أو مواجهة تصويت بحجب الثقة من قِبل المعارضة.

تداعيات انتخاب كارني على مستقبل العلاقات مع أمريكا

يأتي فوز كارني في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها التجارية مع كندا، وهو ما قد يشعل صراعًا اقتصاديًا مفتوحًا بين البلدين. 

وكانت إدارة ترامب قد فرضت في وقت سابق رسومًا جمركية بنسبة 25% على المنتجات الكندية، لكنها تراجعت عن بعضها بعد احتجاجات قوية من حكومة ترودو.

وفي ظل هذه الأوضاع، يرى محللون أن كارني قد يواجه صعوبات في تحقيق التوازن بين التصعيد ضد واشنطن والحفاظ على المصالح الاقتصادية لكندا، خاصة أن الولايات المتحدة لا تزال الشريك التجاري الأكبر لبلاده.

لكن في المقابل، يرى البعض أن انتخاب كارني يمثل فرصة لكندا للبحث عن بدائل اقتصادية جديدة، لا سيما من خلال تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي والصين، وتقوية قطاع التكنولوجيا والطاقة المتجددة كوسائل بديلة لتعزيز الاقتصاد الوطني.

وفي ختام خطابه، أكد كارني أن “كندا لن تكون أبدًا تابعًا للولايات المتحدة، ولن نسمح لترامب بفرض إرادته علينا”، مضيفًا أن بلاده ستتخذ جميع الإجراءات الضرورية لحماية سيادتها الاقتصادية والسياسية في السنوات المقبلة.

خلاصة: مرحلة جديدة في تاريخ كندا تحت قيادة كارني

يُعتبر انتخاب مارك كارني نقطة تحول في المشهد السياسي الكندي، حيث سيواجه تحديات ضخمة، سواء على الصعيد الداخلي أو في العلاقات مع الولايات المتحدة. 

وبالنظر إلى تصريحاته الحادة ضد ترامب، فمن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تصعيدًا في الحرب التجارية بين البلدين، مما قد ينعكس على الاقتصاد الكندي بشكل مباشر.

ويبقى السؤال الأهم: هل سينجح كارني في قيادة كندا نحو مستقبل اقتصادي مستقر ومستقل عن النفوذ الأمريكي؟ أم أن الضغوط الداخلية والخارجية ستجبره على تقديم تنازلات؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة على هذا التساؤل.

اقرأ أيضًا : إدارة ترامب تعترف بلقاء حماس وتصف الأمر بـ “المفيد جدًا”.. ماذا جرى خلال اجتماعهم؟