في مشهد يلخص مأساة مركبة بين الحرب والجوع، ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي مجزرتين جديدتين قرب مراكز توزيع مساعدات جنوب ووسط غزة، ما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى من الفلسطينيين الباحثين عن ما يسد رمقهم. وبينما تتعالى دعوات دولية لتأمين المساعدات، تتصاعد الأزمة حول من يملك شرعية إيصالها، وسط اتهامات متبادلة وفشل ذريع لمؤسسة الإغاثة البديلة التي فرضها الاحتلال.
الدم يسبق الخبز: الاحتلال يضرب خطوط الإغاثة
في تكرار متعمد لاستراتيجية التجويع والترهيب، ارتكب جيش الاحتلال مجزرتين قرب مراكز توزيع غذائية، ليؤكد من جديد أن المساعدات الإنسانية نفسها أصبحت هدفًا مباشرًا في معركة الإخضاع الشامل لقطاع غزة.
هذه الاستهدافات لم تأتِ في فراغ، بل في سياق تصعيد متواصل ضد المدنيين ومحاولات منهجية لتقويض أي بنية محلية قادرة على احتواء الكارثة الإنسانية. والمثير أن المجازر وقعت في محيط مراكز تديرها “مؤسسة غزة الإنسانية” المدعومة إسرائيليًا، التي فشلت في أول اختبار ميداني.
“مؤسسة غزة الإنسانية”.. أداة فاشلة بواجهة إنسانية
أقرت المؤسسة التي تحاول إسرائيل والولايات المتحدة فرضها كبديل عن “أونروا”، بفشلها في توزيع المساعدات، متذرعة بعرقلة من “حماس”، رغم أن التقارير الميدانية المصورة تؤكد أن مواقعها أصبحت مسارح دموية لقصف متعمد طال المدنيين الباحثين عن الطعام.
الفشل لم يكن لوجستيًا فقط، بل أخلاقيًا وإنسانيًا. فالمؤسسة التي زعمت تقديم العون، تحولت إلى غطاء لممارسات الاحتلال في ضرب مقومات الصمود المدني، وهو ما دفع العديد من الدول والمنظمات لرفض آلية عملها.
الحكومة في غزة تتحرك: بين تأمين الشحنات وتثبيت الشرعية
في المقابل، أكدت الجهات الحكومية في غزة استعدادها الكامل لتأمين المساعدات الإنسانية وفق آليات الأمم المتحدة، داعية العائلات والعشائر الفلسطينية إلى حماية قوافل الإغاثة ومنع أي انحراف في توزيعها. وقدمت تأكيدات بأن 750 شرطيًا من أفراد تأمين المساعدات قد استشهدوا منذ بداية الحرب، في دليل على التزام واضح رغم الثمن الباهظ.
هذا التصعيد يأتي أيضًا في سياق تنافس على من يملك “شرعية المساعدات” داخل غزة: هل هي الأمم المتحدة وأذرعها؟ أم الاحتلال وشركاؤه الجدد؟ أم البنى المحلية التي تقاوم وتبني رغم الاستهداف؟
بين حماس والاحتلال: من يمنع المساعدات فعليًا؟
فيما اتهمت “مؤسسة غزة الإنسانية” حركة حماس بمنع توزيع المساعدات، نفت الأخيرة ذلك تمامًا، مؤكدة أن كتائب القسام سترسل قناصة لتأمين الطرق من عصابات النهب، في إشارة إلى فوضى غذائية تغذيها جهات مشبوهة تعمل تحت غطاء “الإغاثة الدولية” لكنها تخدم أهداف الاحتلال.
وهنا يظهر البعد الأخطر: تحويل المساعدات إلى أداة صراع سياسي وأمني، حيث تُستخدم لتفكيك المجتمع، وتحقيق مكاسب على الأرض لا علاقة لها بالإنسانية.
لا هدنة للجائعين في غزة
المجزرتان الجديدتان ليستا فقط جريمة حرب، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الاحتلال لا يريد لأي طرف أن يثبت أنه قادر على حماية شعبه أو تقديم أدنى مقومات الحياة له. ومن جهة أخرى، تظهر المحاولات الإسرائيلية لفرض بدائل “إنسانية” فاشلة كمجرد أدوات للهيمنة الناعمة والشرعنة الزائفة.
وبينما تتعالى الأصوات في غزة لتأمين المساعدات بشكل وطني ومنظم، يبرز دور الأمم المتحدة كمكون حاسم، يُستهدف تهميشه لصالح أجندات احتلالية، وسط صمت دولي مريب.
اقرأ أيضا: مؤتمر نيويورك: بين نزع سلاح حماس وورقة السلطة الفلسطينية.. فرنسا والسعودية تعيدان رسم خارطة غزة؟