في وقت تزداد فيه معاناة سكان غزة يومًا بعد يوم، حذّر برنامج الغذاء العالمي مجددًا من أن مئات الآلاف من الفلسطينيين في القطاع المحاصر يواجهون خطر الجوع الشديد وسوء التغذية، مؤكدًا أن القطاع بحاجة ماسة وفورية إلى مساعدات إنسانية عاجلة. 

هذا التحذير ليس الأول من نوعه، لكنه الأوضح حتى الآن في دق ناقوس الخطر بشأن احتمال انزلاق غزة إلى مجاعة جماعية من صنع البشر.

وفقًا للبرنامج الأممي، فإن المخزونات الغذائية داخل القطاع تتضاءل بشكل خطير، فيما تعجز المنظمات الإنسانية عن إدخال أي مساعدات جديدة منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، بسبب مواصلة إسرائيل إغلاق جميع المعابر البرية منذ 2 مارس/آذار الجاري. 

ويبلغ ما تبقى من المخزون الغذائي في مستودعات البرنامج حوالي 5700 طن فقط، تكفي بالكاد لتغطية الاحتياجات لمدة أسبوعين، إذا ما استمرت العمليات الإنسانية بالوتيرة الحالية.

لكن عمليات الإغاثة نفسها أصبحت مهددة، إذ أشار برنامج الغذاء إلى أن توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية يعرقل جهود توزيع المساعدات ويعرّض حياة العاملين في المجال الإنساني للخطر، ما يضاعف من أزمة السكان العالقين تحت الحصار والقصف.

شهادات ميدانية تكشف فصول المجاعة

تصريحات برنامج الغذاء العالمي تعززها تقارير ميدانية صادمة من داخل القطاع، تؤكد أن الأطفال في شمال غزة يواجهون الموت جوعًا، فيما تتحدث مصادر طبية عن ازدياد معدلات سوء التغذية الحاد، وظهور أمراض مرتبطة بانعدام الغذاء كالهزال، ونقص الفيتامينات، وحتى تفشي شلل الأطفال، كما أشار مدير عام وزارة الصحة في غزة الدكتور منير البرش.

وفي مقابلة مع قناة الجزيرة، أكد البرش أن انهيار المنظومة الصحية بفعل الحصار واستهداف الكوادر والمراكز الطبية، يُحوّل أي مرض بسيط إلى كارثة، مضيفًا أن الاحتلال يمنع دخول الفرق الطبية الدولية، ويستهدف الطواقم المحلية، مما يترك غزة في حالة عجز طبي تام، بالتوازي مع عجز غذائي قاتل.

هذا الوضع دفع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى التحذير من أن “كل شيء في غزة ينفد، بما في ذلك الوقت والحياة”، وأن أوامر التهجير اليومية التي تصدرها سلطات الاحتلال تقلّص فرص بقاء العائلات على قيد الحياة.

الغذاء كسلاح: إسرائيل تُجَوِّع غزة عمدًا

الأخطر من ذلك، هو تأكيد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء، مايكل فخري، على أن إسرائيل لا تُجَوِّع غزة بالصدفة، بل تستخدم الغذاء سلاحًا في إطار سياسة ممنهجة لعقاب جماعي للشعب الفلسطيني. 

وفي تصريحات صادمة أدلى بها لقناة الجزيرة، أكد فخري أن سياسات الاحتلال تسببت فعليًا في مقتل آلاف الأطفال بسبب الجوع وسوء التغذية، مؤكدًا أن هذه السياسات ترتقي إلى مستوى “جرائم وحشية” تستدعي فرض عقوبات دولية صارمة على إسرائيل.

وأضاف فخري أن ما تقوم به إسرائيل جزء من منظومة فصل عنصري، تهدف إلى تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، وتحويلهم إلى أرقام في قوائم الانتظار على الموت، سواء بالقصف أو الجوع أو المرض. واعتبر أن استمرار صمت المجتمع الدولي وعدم اتخاذ خطوات عملية يُعد مشاركة غير مباشرة في هذه الجريمة الجماعية.

استئناف الحرب… والمجاعة تتسع

في 18 مارس/آذار الجاري، تنصّلت إسرائيل من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دام 58 يومًا، وعادت إلى شن غاراتها على مختلف مناطق القطاع، مستأنفة حرب الإبادة الجماعية التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وأسفرت هذه الحرب، حتى الآن، عن أكثر من 164 ألف شهيد وجريح، غالبيتهم من النساء والأطفال، إلى جانب أكثر من 14 ألف مفقود لا يُعرف مصيرهم، يُرجح أن معظمهم تحت الأنقاض أو داخل المعتقلات الإسرائيلية.

في ظل هذا التصعيد العسكري، ومع انسداد الأفق السياسي، وغياب أي ضغط دولي فاعل، تبدو المجاعة في غزة أقرب من أي وقت مضى، بل باتت واقعًا قائمًا في بعض المناطق، خاصة شمال القطاع. الأمهات يبحثن عن فتات الخبز، الأطفال ينامون جائعين، والمرضى يموتون بلا دواء أو طعام.

العالم يتفرج والموت يقترب

المشهد في غزة لم يعد مجرد أزمة إنسانية طارئة، بل تحوّل إلى جريمة جماعية تُنفذ على مرأى ومسمع من العالم، الذي يكتفي بإصدار بيانات القلق، بينما تواصل إسرائيل قصفها، وتمنع دخول الغذاء والدواء، وتغلق المعابر، وتستخدم الجوع سلاحًا.
في هذا السياق، يصبح الصمت الدولي مشاركة في الجريمة، وتتحول المساعدات الطارئة، مهما كانت نواياها، إلى مجرد إسعافات أولية تُطيل عمر الاحتضار… لا أكثر.

 

اقرأ أيضًا : نتنياهو يصر على اجتياح غزة بـ50 ألف جندي وسط صمود فلسطيني وتواطؤ دولي