في مشهدٍ يُجسّد استمرار الجرائم الإسرائيلية رغم وقف إطلاق النار، استُشهد 11 فلسطينياً من عائلة واحدة، جميعهم من عائلة شعبان، مساء الجمعة، بعد استهداف الاحتلال حافلتهم الصغيرة أثناء عودتهم إلى منزلهم في حي الزيتون جنوبي مدينة غزة.
وقالت فرق الدفاع المدني إن العائلة كانت تحاول العودة إلى منزلها المدمر جزئياً بعد أيام من الهدوء النسبي، غير أن مدفعية الاحتلال باغتت الحافلة بالقذائف قرب دوار الكويت على طريق صلاح الدين، وهو أحد الطرق الرئيسة التي تربط شمال القطاع بجنوبه.
وذكرت المصادر الميدانية أن الاستهداف كان مباشراً ومتعمدًا، حيث لم يكن في المكان أي نشاط عسكري أو اشتباك. وتمكنت فرق الإنقاذ من انتشال جثة فتى مصاب بجراح بالغة الخطورة، فيما لا يزال مصير عدد من الضحايا مجهولاً بسبب خطورة التحرك في موقع القصف، وسط استمرار القصف المدفعي الإسرائيلي في المنطقة.
وقالت فرق الدفاع المدني إن ما جرى “مجزرة جديدة تُضاف إلى سجل جرائم الاحتلال بحق المدنيين”، مشيرة إلى أن الحافلة كانت تقل نحو عشرة أشخاص من أفراد العائلة الذين حاولوا العودة إلى منازلهم لمعاينة ما تبقى من متاعهم بعد عامين من الحرب والدمار.
![]()
خرق جديد للهدنة.. والاحتلال يعيد مشاهد الإبادة
يأتي هذا القصف رغم سريان الهدنة الهشة التي دخلت مرحلتها الأولى في 10 تشرين الأول/ أكتوبر، والتي يفترض أن تفضي إلى وقف شامل للأعمال العسكرية وبدء إعادة الإعمار. إلا أن الاحتلال، وفق توثيقات ميدانية، ارتكب خلال الأيام الستة الماضية أكثر من 36 انتهاكاً لبنود الاتفاق، شملت عمليات قصف مدفعي وجوي واستهدافاً لمناطق سكنية مأهولة، إضافة إلى اعتقالات ميدانية جديدة في شمال القطاع.
وتُعدّ مجزرة عائلة شعبان نموذجاً صارخاً لخرق الهدنة، إذ لم يمضِ أسبوع على تصريحات حكومة الاحتلال التي زعمت التزامها باتفاق شرم الشيخ، حتى نفذت قواتها سلسلة من الهجمات المحدودة بذريعة “الرصد الأمني”، وهو ما يراه مراقبون محاولة لفرض واقع ميداني جديد يسمح لها بالتحكم في خريطة الإعمار والعودة.
ورغم الهدنة، ما زالت القيود الإسرائيلية على دخول الوقود والمساعدات تخنق القطاع، إذ تمنع سلطات الاحتلال دخول المواد الحيوية اللازمة لتشغيل المستشفيات ومحطات المياه، ما يجعل حياة مئات آلاف المدنيين رهينة للابتزاز السياسي والأمني. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن نحو 67 ألفاً و967 شهيداً سقطوا منذ اندلاع الحرب قبل عامين، فيما بلغ عدد الجرحى أكثر من 170 ألفاً، معظمهم من النساء والأطفال، بالإضافة إلى وفاة 463 فلسطينياً بسبب الجوع ونقص الدواء، بينهم 157 طفلاً.
جثامين محتجزة.. والاحتلال يواصل التنكيل بعد الموت
في موازاة القصف المستمر، تبرز قضية احتجاز الجثامين الفلسطينية كجريمة أخرى تضاف إلى سجل الاحتلال. فقد كانت “الحملة الوطنية الفلسطينية لاسترداد جثامين الشهداء” قد أكدت أن “إسرائيل” تحتجز 735 جثماناً في ما يُعرف بـ“مقابر الأرقام”، وهي مدافن بدائية تُميز القبور بأرقام معدنية فقط دون أسماء، فيما يحتفظ جيش الاحتلال بملفات خاصة لكل رقم داخل أرشيفه العسكري.
لكن الأخطر كشفته صحيفة هآرتس العبرية في تقرير نُشر في 16 تموز/ يوليو الماضي، حين أكدت أن الجيش الإسرائيلي يحتجز في معسكر سدي تيمان أكثر من 1500 جثمان لفلسطينيين من غزة، في ظروف توصف بأنها غير إنسانية، بعيداً عن الرقابة الدولية. هذه المعلومات تؤكد أن جريمة مجزرة عائلة شعبان ليست استثناءً، بل حلقة في سلسلة من الانتهاكات الممنهجة التي تطال الفلسطينيين أحياءً وأمواتاً.
وتصف منظمات حقوقية هذه السياسة بأنها “عقاب جماعي وامتهان لكرامة الإنسان”، في وقت تواصل فيه حكومة الاحتلال منع لجان التحقيق الدولية من دخول القطاع، بذريعة “الظروف الأمنية”، ما يعمّق الشكوك بشأن وجود جرائم إخفاء وتنكيل بالجثامين.
صمت دولي وتواطؤ أمريكي
رغم بشاعة المجزرة الجديدة، لم يصدر أي موقف دولي حازم يدين خرق الهدنة أو استهداف المدنيين. واكتفت وزارة الخارجية الأمريكية بالتعبير عن “القلق من التطورات في غزة”، في وقت يؤكد فيه مسؤولون إسرائيليون أن الجيش يتحرك بتنسيق مباشر مع القيادة الأمريكية، ضمن ما يسمى “إعادة التموضع الميداني بعد الهدنة”.
ويرى محللون أن هذا الصمت الدولي ليس سوى غطاء سياسي لإسرائيل لمواصلة الضغط على المقاومة، وإجبار السكان على مغادرة المناطق الجنوبية تمهيداً لإعادة رسم الخريطة الديموغرافية للقطاع. ويشير المراقبون إلى أن “واشنطن والاتحاد الأوروبي يتعاملان مع الكارثة في غزة كملف إنساني منفصل عن جذوره السياسية، ما يمنح الاحتلال فرصة للهروب من المحاسبة”.
خاتمة: هدنة تُخترق بالدم
مجزرة عائلة شعبان تمثل انتهاكاً جديداً صارخاً لوقف إطلاق النار، وتكشف أن ما يجري في غزة ليس “ما بعد الحرب” بل استمرار للحرب بوسائل أخرى. فبينما تتحدث إسرائيل عن الإعمار والأمن، تواصل مدفعيتها استهداف الناجين في طريق عودتهم إلى منازلهم، لتؤكد أن الهدنة بالنسبة لها ليست التزاماً بل مرحلة لإعادة التموضع والابتزاز.
في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الأوضح أن الدم الفلسطيني هو الثمن الدائم لسياسة الإفلات من العقاب، وأن استمرار الصمت الدولي على جرائم الاحتلال سيجعل من كل هدنة مؤقتة فرصة جديدة للمجازر، تماماً كما حدث في حي الزيتون حيث انتهت رحلة العودة إلى البيت بمذبحة جديدة تؤكد أن طريق السلام ما زال مفروشاً بجثامين الأبرياء.
اقرأ أيضًا : فيضانات السودان تشعل الخلاف من جديد.. أزمة سد النهضة تعود إلى الواجهة بين القاهرة وأديس أبابا