في مشهد يعكس وحشية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي مجزرة مروعة، صباح الأربعاء، بحق نازحين فلسطينيين لجؤوا إلى مدرسة الحناوي بمدينة خانيونس، جنوب القطاع.
الغارة الدموية أسفرت عن سقوط 14 شهيدًا، بينهم أطفال ونساء، قضوا داخل خيمة أقيمت فوق ركام الخوف والشتات، ظنًا منهم أن المدارس ستمنحهم قليلًا من الأمان في ظل حرب لا تعرف الرحمة.
وتزامنت هذه المجزرة مع غارات جوية مكثفة شنّتها قوات الاحتلال على مناطق متفرقة من قطاع غزة، طالت شماله وجنوبه ووسطه، فيما بدا وكأنه تصعيد جديد ضمن الحرب المستمرة منذ أكثر من ثمانية أشهر، والتي وصفتها منظمات حقوقية دولية بأنها “إبادة جماعية”.

مدارس تتحول إلى مقابر.. ماذا حدث في خانيونس؟
قصف الاحتلال الإسرائيلي صباح الأربعاء مدرسة الحناوي التي تؤوي نازحين فلسطينيين فروا سابقًا من مناطقهم بعد أوامر إخلاء متكررة.
الغارة استهدفت خيمة داخل ساحة المدرسة، وأسفرت وفق وزارة الصحة الفلسطينية ومصادر طبية عن استشهاد 14 مدنيًا على الأقل، بينهم أطفال ونساء، فيما أُصيب آخرون بجروح خطيرة.
ما جرى لم يكن حادثًا معزولًا. فالجيش الإسرائيلي سبق أن استهدف مدارس ومراكز إيواء تابعة للأمم المتحدة، مدعيًا في كل مرة وجود “نشاطات مسلحة” داخلها، دون تقديم أدلة.
في واقع الأمر، تشهد خانيونس منذ أسابيع موجات نزوح جديدة بفعل تجدد الغارات وأوامر الإخلاء التي تصدرها سلطات الاحتلال، ما جعل المدارس والمراكز الطبية الوجهة الوحيدة لآلاف العائلات الباحثة عن النجاة.
في غضون ذلك، كثّف جيش الاحتلال قصفه المدفعي والجوي على المناطق الشرقية من المدينة، حيث يواجه السكان أوضاعًا إنسانية متدهورة، وسط شح بالغ في الغذاء والماء والدواء، وانعدام للحد الأدنى من مقومات الحياة.
التصعيد مستمر.. غارات في جباليا ودير البلح واستهداف المستشفيات
لم تقتصر الغارات الإسرائيلية على خانيونس، إذ طال القصف فجر اليوم عدة مناطق في شمال وجنوب القطاع. ففي جباليا، استشهد أربعة فلسطينيين، بينهم طفل، جراء قصف جوي عنيف استهدف منازل سكنية وسط المخيم.
كذلك، شهدت مدينة دير البلح استهدافًا مباشرًا من طائرات مسيرة انتحارية (كوادكوبتر مفخخة) لمبنى مستشفى شهداء الأقصى، بحسب شهود عيان.
إن استهداف المستشفيات في غزة بات سلوكًا ممنهجًا، أضحى يُمارس بوقاحة، ضاربًا بكل الاتفاقيات الدولية عرض الحائط.
ويأتي هذا الهجوم الجديد ضمن سلسلة من الاعتداءات على المؤسسات الصحية التي تُعتبر آخر ما تبقّى للفلسطينيين من خطوط دفاع إنساني، خصوصًا في ظل الانهيار الكامل للمنظومة الصحية بفعل الحصار وتدمير 80% من المنشآت الطبية.
منظمة الصحة العالمية كانت قد وصفت غزة بأنها “غير صالحة للحياة”، إذ لا يجد المرضى دواء، ولا يجد الجرحى غرف عمليات، ولا يجد النازحون أماكن آمنة، فيما يواجه الأطباء أهوالًا لم يسبق لها مثيل، ويضطرون في كثير من الأحيان إلى إجراء عمليات بظروف ميدانية كارثية.
الإبادة مستمرة وسط صمت العالم.. 179 ألف ضحية وغزة بلا مأوى
منذ 7 أكتوبر 2023، يعيش قطاع غزة في جحيم متواصل. الحرب التي بدأها الاحتلال بعد عملية “طوفان الأقصى”، تحوّلت سريعًا إلى حرب شاملة تستهدف المدنيين أولًا، وتعمل على محو غزة من الخريطة ثانيًا. وبحسب آخر الإحصاءات، تجاوز عدد الشهداء والجرحى حاجز 179 ألفًا، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى أكثر من 11 ألف مفقود تحت الأنقاض، ما يعكس فداحة العدوان ووحشيته.
ومع مرور أكثر من 240 يومًا من الحرب، لم يعد في غزة مكان آمن، ولم يبقَ للفلسطينيين مأوى. فالحرب دمرت أكثر من 70% من مساكن القطاع، وأجبرت 1.5 مليون فلسطيني على النزوح القسري. في المقابل، لا توجد ممرات إنسانية حقيقية، ولا سماح بإدخال مساعدات كافية، بل على العكس، يُستهدف المدنيون حتى خلال تسلّمهم المساعدات، كما حدث في مجزرة “طريق الكرامة” غربي رفح الشهر الماضي.
وتُتهم إسرائيل من قبل عدة منظمات حقوقية دولية، وعلى رأسها هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في وقت تجاهلت فيه دولة الاحتلال أوامر محكمة العدل الدولية بوقف عملياتها العسكرية والإبادة الجماعية في القطاع.
خاتمة: من يوقف آلة القتل؟
ما حدث اليوم في مدرسة الحناوي ليس سوى صفحة جديدة في سجل دموي طويل من الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين في قطاع غزة. قصف النازحين، استهداف المستشفيات، تدمير البنية التحتية، ومنع الغذاء والماء، كلها أدوات في حرب الإبادة التي تديرها حكومة الاحتلال بمباركة أمريكية وغض طرف دولي.
المجزرة تفتح الباب مجددًا للتساؤل: إلى متى سيبقى العالم عاجزًا عن إيقاف هذه الكارثة الإنسانية؟ وإلى متى ستظل إسرائيل تتعامل كأنها فوق القانون الدولي؟ إن كل يوم تأخير في وقف العدوان يعني مزيدًا من الدماء، ومزيدًا من المجازر، ومزيدًا من أطفال غزة الذين يُدفنون تحت أنقاض خيامهم بدلًا من أن يذهبوا إلى مدارسهم.
اقرأ أيضًا : بدعم إماراتي للميليشيات.. آلاف اللاجئين السودانيين في تشاد يواجهون الجوع والمعاناة