في تصعيد سياسي ودبلوماسي لافت، عبّر أعضاء مجلس الأمن الدولي عن قلقهم العميق إزاء استمرار الحرب في السودان، محمّلين ميليشيا الدعم السريع” مسؤولية مباشرة عن تصاعد الانتهاكات الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الاتهامات بشأن أدوار إقليمية، وعلى رأسها الإمارات، في دعم هذه الميليشيا وإطالة أمد الصراع.
وجاء بيان المجلس ليؤكد أن ما يجري في السودان لم يعد مجرد نزاع داخلي، بل أزمة إقليمية مفتوحة، تتشابك فيها المصالح الدولية مع معاناة ملايين المدنيين، في ظل غياب أي أفق حقيقي للحل.
![]()
إدانة دولية لجرائم ممنهجة
أدان مجلس الأمن بشكل واضح استمرار هجمات ميليشيا الدعم السريع في ولايتي دارفور وكردفان، واعتبرها عاملًا رئيسيًا في زعزعة الاستقرار، مشيرًا إلى سلسلة من الانتهاكات الخطيرة بحق المدنيين، من اعتقالات تعسفية وعنف جنسي إلى عمليات قتل خارج إطار القانون.
ولفت البيان إلى الفظائع المرتكبة في مدينة الفاشر ومحيطها، حيث تحدث عن عمليات قتل ممنهج، ونزوح جماعي، وإعدامات ميدانية، واستهداف على أساس عرقي، في ممارسات وصفها مراقبون بأنها تقترب من جرائم الإبادة الجماعية.
كما أكد المجلس أن هذه الانتهاكات ليست حوادث معزولة، بل جزء من نمط سلوك منظم تتبعه الميليشيا لبسط السيطرة عبر الترهيب والتطهير السكاني.
استهداف المدنيين والعمل الإنساني
ركز البيان الدولي على تصاعد الهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مناطق سكنية وبنية تحتية حيوية، إضافة إلى منشآت تابعة للعاملين في المجال الإنساني، وفي مقدمتها الهجمات التي طالت برنامج الأغذية العالمي منذ فبراير/شباط 2026.
واعتبر المجلس أن استهداف العمل الإنساني يمثل جريمة مزدوجة، لأنه لا يقتل المدنيين مباشرة فقط، بل يحرمهم أيضًا من فرص النجاة، محذرًا من أن هذه الهجمات قد ترقى إلى جرائم حرب وفق القانون الدولي.
وطالب جميع الأطراف، وعلى رأسها الدعم السريع، باحترام حماية المدنيين والكوادر الإغاثية، مؤكدًا أن أي انتهاك في هذا الإطار سيبقى موضع متابعة دولية.
مجاعة تستخدم كسلاح حرب
في أحد أخطر فقرات البيان، حذر مجلس الأمن من تفشي المجاعة وانعدام الأمن الغذائي الحاد في عدة مناطق سودانية، نتيجة الحصار والنهب ومنع وصول المساعدات.
وأكد أن استخدام التجويع كسلاح في الصراع بات سياسة ممنهجة، تمارسها الميليشيا عبر تعطيل الممرات الإنسانية، والسيطرة على مخازن الغذاء، وفرض الإتاوات على القوافل الإغاثية.
ويرى مراقبون أن هذه السياسة تهدف إلى إخضاع المجتمعات المحلية بالقوة، وتحويل الغذاء إلى أداة ابتزاز سياسي وعسكري، في مشهد يعيد إلى الأذهان أسوأ نماذج الحروب الأهلية في إفريقيا.
الإمارات في قلب الاتهامات
رغم أن بيان مجلس الأمن لم يسمّ دولًا بعينها، فإن الإشارات المتكررة إلى “التدخلات الخارجية” فتحت الباب مجددًا للحديث عن دور الإمارات في دعم ميليشيا الدعم السريع.
وتتهم تقارير حقوقية وإعلامية أبوظبي بتقديم دعم سياسي ولوجستي ومالي للميليشيا، سواء بشكل مباشر أو عبر شبكات إقليمية، ما ساهم في تعزيز قدراتها العسكرية واستمرارها في القتال.
ويرى محللون أن هذا الدعم يأتي في إطار حسابات إماراتية مرتبطة بالنفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، والسيطرة على الموارد والموانئ، ولو على حساب استقرار السودان ووحدة أراضيه.
ويؤكد مراقبون أن استمرار هذا الدعم الخارجي يمنح الميليشيا شعورًا بالإفلات من العقاب، ويقوض أي جهود حقيقية للتسوية.
رفض سلطة موازية وتقسيم البلاد
شدد مجلس الأمن على رفضه القاطع لأي محاولات لإنشاء سلطة حكم موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، معتبرًا ذلك خطوة خطيرة نحو تقسيم السودان وتحويله إلى دولة فاشلة متعددة الكيانات المسلحة.
وأكد المجلس التزامه بسيادة السودان ووحدة أراضيه، محذرًا من أن شرعنة الميليشيات سيقود إلى نموذج شبيه بالحروب المزمنة في دول أخرى، حيث تتحول الجماعات المسلحة إلى “دول داخل الدولة”.
دعوات للسلام ومسار سياسي هش
دعا مجلس الأمن إلى استئناف المحادثات السياسية وصولًا إلى وقف دائم لإطلاق النار، يقود إلى عملية انتقالية بقيادة مدنية، تعكس تطلعات الشعب السوداني.
ورحّب بالجهود الإقليمية والدولية الداعمة لهدنة إنسانية، لكنه أقر ضمنيًا بأن فرص نجاح هذه المبادرات تظل محدودة في ظل استمرار الدعم الخارجي للميليشيات، وغياب ضغط حقيقي على الأطراف المتورطة.
ويرى متابعون أن أي عملية سياسية لا تترافق مع وقف التمويل والتسليح الخارجي، ستبقى مجرد مسكنات مؤقتة.
أزمة تتجاوز الداخل السوداني
تكشف مواقف مجلس الأمن أن الحرب في السودان لم تعد شأنًا محليًا، بل تحولت إلى اختبار لإرادة المجتمع الدولي في مواجهة الميليشيات العابرة للحدود وشبكات المصالح الإقليمية.
وفي ظل استمرار دعم قوى إقليمية، وعلى رأسها الإمارات، لميليشيا الدعم السريع، يبدو أن الطريق نحو السلام لا يزال محفوفًا بالعقبات.
ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول الإدانات الدولية إلى إجراءات رادعة، أم تبقى مجرد بيانات تضاف إلى أرشيف الأزمات المنسية، بينما يواصل السودانيون دفع ثمن حرب لم يختاروها؟
اقرأ أيضًا : جدل واسع في الأردن بعد تغيير اسم شارع عز الدين القسام وسط تساؤلات عن الهوية والموقف السياسي