في تصعيد جديد يُنذر بتوتر إقليمي غير مسبوق، أعلنت الحكومة السودانية المتحالفة مع الجيش أنها تمتلك كافة الأدلة لإدانة النظام الإماراتي أمام محكمة العدل الدولية، متهمة إياها بالضلوع في دعم قوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية في السودان.
وجاء هذا التصريح عشية نظر المحكمة في لاهاي بدعوى رفعتها الخرطوم ضد النظام الإماراتي في خطوة تاريخية تسعى من خلالها الحكومة السودانية إلى فضح ما تصفه بـ”الوجه الدموي” للدور الإماراتي في السودان، والذي بات يتجاوز الدعم السياسي والمالي إلى شبهة التورط المباشر في تغذية واحدة من أكثر الحروب دموية في القارة الإفريقية.

أدلة السودان ضد الإمارات
في مؤتمر صحفي شارك فيه وزير الإعلام السوداني خالد الأعيسر وعدد من ممثلي الوزارات السيادية، أعلنت الخرطوم بشكل واضح أنها تمتلك أدلة دامغة تثبت تورط دولة الإمارات في دعم مليشيات الدعم السريع المتمردة، سواء عبر التمويل أو تزويدها بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية، أو حتى عبر توفير غطاء دبلوماسي لها على الساحة الدولية.
وبحسب المتحدث باسم الحكومة السودانية، فإن الدعم الإماراتي لم يكن مجرد “موقف سياسي”، بل كان “دورًا محوريًا” ساهم بشكل مباشر في تأجيج الصراع الدموي، بل وفي ارتكاب “جرائم لا علاقة لها بالإنسانية”.
ويؤكد السودان أن أبوظبي لعبت دورًا رئيسيًا في إبادة جماعية استهدفت قبيلة المساليت في إقليم دارفور، من خلال تمويل وتسليح ودعم قوات محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”، القائد الأعلى لقوات الدعم السريع.
ولعل أخطر ما ورد في تصريحات الأعيسر هو تأكيده أن الخرطوم لم تكن لتتقدم بشكوى أمام محكمة دولية بهذا الحجم دون امتلاكها ما يكفي من الأدلة، وهو ما يعكس ثقة السودان في مسار قانوني دولي قد يشكل سابقة في محاسبة دولة خليجية على جرائم حرب خارج حدودها.
محكمة العدل الدولية أمام اختبار جديد
تمثل الدعوى السودانية ضد النظام الإماراتي أمام محكمة العدل الدولية لحظة فارقة في تاريخ النزاعات الإفريقية إذ تعد من المرات النادرة التي يتم فيها اتهام دولة عربية بالتواطؤ في “إبادة جماعية” أمام أعلى سلطة قضائية دولية.
وقد طالبت الخرطوم المحكمة باتخاذ “تدابير مؤقتة” تلزم الإمارات بوقف دعمها لقوات الدعم السريع فورًا، فضلاً عن المطالبة بتعويضات للضحايا الذين سقطوا بسبب ما تسميه “الأفعال غير المشروعة دوليًا” لأبوظبي.
لكن الإمارات لم تلتزم الصمت، بل أصدرت بيانًا اعتبرت فيه الشكوى “حيلة دعائية خبيثة” هدفها “تحويل الانتباه عن التواطؤ الراسخ للجيش السوداني في الفظائع التي تدمر البلاد”، على حد تعبير البيان الإماراتي.
وأكدت أبوظبي أنها “ستسعى لرد هذا الطلب الذي لا أساس له على الفور”، محاولة نفي وجود أي أساس قانوني أو واقعي للدعوى.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل موقف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي من هذا التصعيد القانوني. فبالرغم من أن قرارات محكمة العدل الدولية ملزمة من الناحية القانونية، إلا أن المحكمة لا تمتلك سلطة تنفيذية تُجبر الدول على الامتثال، ما قد يدفع بالسودان إلى اللجوء لاحقًا إلى مجلس الأمن لتعزيز موقفه أو المطالبة بفرض عقوبات.
المشهد الإقليمي: الدور الإماراتي المثير للجدل في النزاعات العربية
ليست هذه هي المرة الأولى التي تُتهم فيها الإمارات بالتدخل في نزاعات دولية بشكل يثير الشبهات. فقد وُجهت لها اتهامات مماثلة في ليبيا واليمن، حيث دعمت فصائل مسلحة خارجة عن الشرعية، مما تسبب في تأجيج الصراعات الداخلية وتعطيل عمليات السلام.
ويأتي التحرك السوداني ليشكل أول خطوة قانونية دولية حاسمة تهدف إلى كبح جماح هذا الدور الذي لطالما تغلّف بشعارات “محاربة الإرهاب” و”دعم الاستقرار”، في حين تُظهر الوقائع على الأرض أن التدخلات الإماراتية غالبًا ما تكون ذات طابع عسكري استخباراتي، يكرّس الفوضى ويغذي الانقسامات.
وبينما تتوجه الأنظار إلى لاهاي، فإن المعركة ليست قانونية فقط، بل سياسية بامتياز. فالخرطوم تسعى من خلال هذه الخطوة إلى انتزاع اعتراف دولي بأن ما جرى في دارفور وغيرها من مناطق السودان ليس نزاعًا داخليًا فقط، بل هو نتيجة تدخل خارجي موجه ومدعوم، يمثل جريمة عابرة للحدود، تنبغي محاسبة منفذيها ومموليها على السواء.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتستمر المأساة الإنسانية التي أدت إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 12 مليون شخص، فإن مساءلة الدول المتورطة في هذا النزيف الطويل باتت ضرورة لا خيارًا، من أجل ردع القوى التي تتعامل مع الدول الفقيرة كساحات نفوذ وتجريب سلاح.
خاتمة
الشكوى السودانية ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية تمثل محاولة جريئة لكشف المستور من التدخلات الخليجية في النزاعات الإفريقية، وتفتح الباب لمساءلة قانونية لدولة لطالما أفلتت من العقاب رغم دورها الموثّق في عدة بؤر توتر.
إن التحدي اليوم لا يتمثل فقط في إصدار قرار قضائي، بل في قدرة المجتمع الدولي على فرض العدالة على اللاعبين الأقوياء الذين جعلوا من شعوب مثل شعب السودان وقودًا لمعارك النفوذ والثروة.
اقرأ أيضًا : الجيش السوداني يتقدم غرب أم درمان ويستعيد “معسكر النسور” وميليشيات النظام الإماراتي تتكبد خسائر فادحة