“سوف يُعدمونني يا أمي.. اصبري”، بهذه الكلمات اختصر أحد الشبان الأوزبك الثلاثة المتهمين في قضية اغتيال الحاخام الصهيوني المتطرف “تسفي كوغان” في دبي، حقيقة ما يجري خلف أسوار سجون الإمارات، حيث لا صوت يعلو فوق صوت استرضاء الاحتلال، ولا قانون يقف في وجه الإملاءات القادمة من تل أبيب.
القضية لم تعد جنائية بقدر ما تكشف عن تحوّل الإمارات إلى ذراع أمني وسياسي يخدم أجندة الاحتلال، ولو على حساب دماء أبرياء لم تُتح لهم حتى محاكمة عادلة.

قتلٌ في الظل.. من هو الحاخام الصهيوني؟ وما الذي حدث في دبي؟
في ديسمبر الماضي، اهتزت إمارة دبي على وقع مقتل الحاخام المتطرف تسفي كوغان، وهو شخصية صهيونية بارزة في الأوساط الدينية القومية المتطرفة، ومعروف بعلاقاته القوية مع دوائر أمنية إسرائيلية وبدعواته المستمرة لهدم المسجد الأقصى وبناء “الهيكل” المزعوم.
كوغان كان في زيارة للإمارات بصفته “رجل دين”، في إطار ما قيل إنها “زيارات دينية”، بينما تؤكد تقارير صحفية واستخباراتية أنه كان ينشط في عمليات تنسيق سرية لتأمين مصالح إسرائيل في منطقة الخليج، مستفيدًا من التسهيلات الإماراتية بعد اتفاقات التطبيع.
وُجد مقتولًا في غرفته بالفندق، في جريمة هزّت الأجهزة الأمنية في الدولة التي ترفع شعار “التسامح” لكنها لم تُبدِ أي تسامح مع المتهمين، لا في التحقيقات ولا في المحاكمة.
السلطات الإماراتية ألقت القبض على ثلاثة شبان من أوزبكستان، وقدّمتهم على الفور للمحاكمة بتهمة “تنفيذ عملية اغتيال متعمدة بدوافع إرهابية”، في سيناريو أقرب لمحاكمات تصفية الحسابات، دون أي دليل موثق أو تسجيلات دامغة.
ورغم نفي المتهمين وجود أي دوافع دينية أو سياسية، تم تجريمهم بشكل عاجل لتقديم “إنجاز” للجانب الإسرائيلي، وإثبات الولاء الكامل له.
“في إسرائيل كانوا سيحاكمون بعدل!
سوف يُعدمونني يا أمي.. اصبري”، بهذه العبارة المؤلمة قال أحد المتهمين لوالدته في فيديو تم تداوله على منصة “إكس” وهو ينتظر مصيره الأسود في دولة تُجيد الترويج لصور التسامح أمام الكاميرات بينما تمارس أبشع أشكال الظلم خلف الجدران.
بكاء الأم سلط الضوء على مفارقة مأساوية: ففي الأراضي المحتلة التي تدّعي الإمارات التحالف معها من أجل “السلام”، غالبًا ما يُعامل حتى المتهمون معاملة خاصة، ويحظون بمحاكمات مطولة، بينما في أبوظبي، يُختصر كل شيء في إرضاء الاحتلال.
وكيل الاحتلال في الخليج.. حين تتحول العدالة إلى صفقة سياسية
المتابع لسلوك الإمارات في السنوات الأخيرة، يدرك تمامًا أنها تحوّلت من دولة تدّعي الحياد إلى رأس حربة في مشروع إقليمي يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية وتكريس التطبيع مع الكيان الصهيوني.
فبعد اتفاقيات “أبراهام”، لم تكتفِ أبوظبي بفتح أبوابها للمستثمرين الصهاينة والحاخامات المتطرفين، بل بدأت بتكييف سياساتها الداخلية والخارجية لخدمة أمن الاحتلال ومصالحه.
قضية مقتل كوغان، والطريقة التي تم التعامل بها مع المتهمين الأوزبك، تكشف بوضوح حجم الانحياز الإماراتي: الإعلام المحلي صوّرهم كـ”إرهابيين” حتى قبل بدء المحاكمة، وغياب أي رقابة حقوقية أو صحفية مستقلة على المحاكمة أضعف مصداقية الرواية الرسمية، بينما ظلت سفارة أوزبكستان صامتة، في ظل ضغوط سياسية واقتصادية تمارسها أبوظبي على بلدان آسيا الوسطى.
في المقابل، لم تُخفِ إسرائيل رضاها، حيث أشادت تقارير عبرية “بتعاون الأجهزة الأمنية الإماراتية”، وهو ما يُعد مؤشرًا خطيرًا على طبيعة العلاقة الأمنية بين الجانبين، والتي باتت تتجاوز “التنسيق” إلى تنفيذ عمليات انتقامية نيابة عن تل أبيب.
عدالة مسمومة.. ومصير ينتظر القرار السياسي
القلق الآن لا يتعلق فقط بمصير الشبان الثلاثة الذين ينتظرون الإعدام، بل بما تعنيه هذه السابقة القانونية والسياسية في بلد يُفترض أنه عربي.
كيف يمكن تفسير محاكمة سريعة بهذا الشكل؟ ولماذا لا يُسمح لأي جهة دولية أو حقوقية بمراقبة مجريات التحقيق؟ ولماذا يصرّ النظام الإماراتي على تقديم خدمات “مجانية” للاحتلال، حتى لو كانت على حساب أرواح شباب أبرياء؟
الإجابة واضحة: الإمارات اليوم لا تسعى فقط للتحالف مع الاحتلال، بل لتصبح أداته في المنطقة. وكل من يشكّل تهديدًا رمزيًا أو فعليًا لأمن إسرائيل، حتى ولو بالخطأ أو الاشتباه، سيجد نفسه ضحية لمحاكمات صورية وأحكام جاهزة.
يبقى السؤال: هل يصمت العالم، كما صمت على اغتيال خاشقجي؟ أم سيعلو الصوت هذه المرة لإنقاذ أبرياء من مقصلة سياسية، أداة تنفيذها إماراتية، وقرارها صهيوني؟
اقرأ أيضًا : نتنياهو يصر على اجتياح غزة بـ50 ألف جندي وسط صمود فلسطيني وتواطؤ دولي