في تطور يثير موجة من القلق والاستنكار، أصدرت محكمة هجرة في ولاية لويزيانا الأمريكية قرارًا بترحيل الناشط الفلسطيني المقيم الدائم في الولايات المتحدة، محمود خليل، إلى سوريا أو الجزائر، بدعوى أنه لم يفصح عن بعض المعلومات عند تقدّمه للحصول على البطاقة الخضراء، وفق ما كشفت وثائق محاميه التي نشرتها مجلة “بوليتيكو”. القرار، الذي جاء رغم صدور أمر قضائي اتحادي سابق يمنع ترحيله مؤقتًا، يسلّط الضوء على ممارسات قمعية متنامية تستهدف النشطاء المؤيدين لفلسطين داخل الولايات المتحدة تحت ذرائع قانونية ظاهرها الهجرة وباطنها الانتقام السياسي.

استهداف ممنهج تحت ستار القانون
يرى محامو خليل أن القرار الأخير هو استمرار لمحاولة السلطات الأمريكية، منذ إدارة دونالد ترامب، معاقبة كل من يجرؤ على معارضة السياسات الإسرائيلية أو الدفاع عن القضية الفلسطينية علنًا. فقد اعتُقل خليل البالغ من العمر 30 عامًا في مارس/آذار الماضي، واحتُجز عدة أشهر وسط ضغوط مكثفة من وزارة الأمن الداخلي لترحيله، بحجة أن نشاطه المؤيد للفلسطينيين “يؤثر سلبًا على العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية”.
ورغم صدور أمر من قاضٍ اتحادي في نيوجيرزي (مايكل فاربيارز) يقضي بإطلاق سراحه بكفالة في يونيو/حزيران ويؤكد أن اعتقاله ينتهك حقه الدستوري في حرية التعبير، استمرت الحكومة في مساعيها لترحيله، ما يكشف ازدواجية صارخة في التعامل مع القانون الأمريكي عندما يتعلق الأمر بفلسطين ونشطاءها. ويخشى محاموه الآن أن تكون عملية الاستئناف أمام محاكم الهجرة سريعة وغير عادلة، مما قد يؤدي إلى ترحيله القسري خلال أسابيع.
من النشاط الطلابي إلى التهديد بالترحيل
بدأ خليل نشاطه السياسي كطالب جامعي يشارك في حملات مقاطعة “إسرائيل” وتنظيم مظاهرات ضد حربها على غزة، ما جعله هدفًا مباشرًا لإدارة ترامب التي اعتبرت تلك الاحتجاجات “معادية للسامية” وتعهدت بترحيل الطلبة الأجانب الذين يشاركون فيها. وكان خليل أول من جرى توقيفه بموجب هذه السياسة التي اعتبرتها جماعات الحقوق المدنية “تجريمًا لحرية الرأي” وتجاوزًا للدستور الأمريكي.
وفي تصريحات له عقب الإفراج عنه في يونيو، قال خليل إنه مستعد لقبول اعتذار رسمي من الإدارة الأمريكية والتزام منها بعدم استهداف النشطاء بسبب آرائهم السياسية، مؤكدًا أن استمرار ملاحقته “يثبت أن الولايات المتحدة تتجه نحو تكميم الأفواه بدلًا من حماية الحريات”.
“فريق النمر”: جهاز استخباراتي لملاحقة مؤيدي فلسطين
القضية لم تكن معزولة، إذ كشفت “بوليتيكو” عن وثائق مسرّبة تؤكد أن مسؤولين بارزين في إدارة ترامب، بينهم مستشاره المتطرف ستيفن ميلر ونائب رئيسة طاقم البيت الأبيض، قادوا حملة منظمة لاستهداف الأكاديميين المؤيدين لفلسطين عبر موقع إلكتروني مجهول الهوية موالٍ لـ”إسرائيل”، عُرف بتشهيره بالناشطين ونشره لمعلوماتهم الشخصية.
ولتنفيذ هذه الحملة، أنشأت وزارة الأمن الداخلي فريقًا استخباراتيًا خاصًا أُطلق عليه اسم “فريق النمر”، تولّى جمع ملفات عن نحو 100 طالب وباحث أجنبي يشاركون في أنشطة داعمة لفلسطين. هذه الممارسات تؤكد، وفق مراقبين، أن الدولة الأمريكية تجاوزت حدود تطبيق قوانين الهجرة إلى تأسيس بنية استخباراتية لملاحقة الفكر السياسي المخالف، وهو سلوك أقرب إلى الأنظمة الاستبدادية التي تدّعي واشنطن معارضتها.
قمع الحريات وازدواجية المعايير الأمريكية
تكشف قضية محمود خليل عن التناقض البنيوي في الديمقراطية الأمريكية التي تزعم حماية حرية التعبير بينما تقمع الأصوات المعارضة لـ”إسرائيل”. فبينما تسمح السلطات الأمريكية بالتحريض العلني على الفلسطينيين وتبرير قتلهم، فإنها تجرّم بالمقابل أي دعم حقوقي أو سياسي لهم باعتباره تهديدًا للأمن القومي أو “تحريضًا على الكراهية”.
ويحذّر المدافعون عن الحقوق المدنية من أن نجاح السلطات في ترحيل خليل قد يشكّل سابقة خطيرة لشرعنة قمع الأصوات المؤيدة لفلسطين، خاصة في ظل صعود تيار سياسي يميني يدفع باتجاه خلط انتقاد الاحتلال الإسرائيلي بمعاداة السامية، ما يغلق الباب أمام أي نقاش ديمقراطي حر في الجامعات ووسائل الإعلام الأمريكية.
خاتمة: رسالة تخويف للنشطاء المؤيدين لفلسطين
قرار ترحيل محمود خليل ليس مجرد قضية قانونية فردية، بل هو رسالة تخويف واضحة لكل من يجرؤ على رفع صوته دفاعًا عن فلسطين داخل الولايات المتحدة. فهو يبعث برسالة مفادها أن حقوق الإنسان والحريات الدستورية في أمريكا ليست مكفولة للجميع بالتساوي، بل تُعلَّق عندما تتعارض مع مصالح اللوبي الإسرائيلي أو مع الرواية الرسمية الأمريكية.
وبينما يستعد محاموه للاستئناف، تبقى قضيته اختبارًا حاسمًا لقدرة النظام القضائي الأمريكي على حماية حرية التعبير من التسييس والانحياز، ولإثبات ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة فعلًا لاحترام مبادئها المعلنة أم ستواصل إسكات المعارضين وترحيلهم قسرًا في مشهد يفضح زيف شعاراتها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.
اقرأ أيضًا : إيطاليا تنتفض نقابياً ضد مجازر غزة.. إضراب وطني يحرج الرواية الإسرائيلي