تفتح جلسات محكمة العمل في المملكة المتحدة فصلًا حساسًا في علاقة الإعلام الغربي بالقضية الفلسطينية، بعد أن استمعت المحكمة إلى أدلة وشهادات تتهم هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” بتضليل جمهورها، والانحياز للرواية الإسرائيلية خلال الحرب على قطاع غزة، إلى جانب ممارسات تمييزية بحق صحفيين عرب داخل مؤسستها.

أزمة ثقة داخل مؤسسة إعلامية عريقة

تشير مجريات القضية إلى تصدع عميق داخل “بي بي سي”، التي طالما قدمت نفسها كمنصة إعلامية تلتزم الحياد والمهنية. إلا أن الشهادات المقدمة، وعلى رأسها شهادة الصحفي المخضرم عامر سلطان، تكشف عن واقع مختلف، حيث تحدث عن “انتهاكات خطيرة” لإرشادات التحرير خلال الأسابيع الأولى من الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023.

ووفقًا لما عرض أمام المحكمة، فإن الإدارة كانت على علم بهذه الانتهاكات، بل إن المديرة السابقة للخدمة العالمية، ليليان لاندور، أقرت خلال جلسات داخلية بأن المؤسسة “ضللت الجمهور”، في اعتراف يحمل دلالات خطيرة على مستوى مصداقية الخطاب الإعلامي الغربي.

قيود تحريرية تخدم الرواية الإسرائيلية

أحد أبرز محاور القضية يتمثل في ما وصفه الصحفيون بقيود “قانونية وتحريرية” فُرضت على فريق “بي بي سي عربي” داخل إسرائيل، ما أعاق تغطية حوادث ميدانية حساسة، من بينها الاعتداء على طاقم تلفزيوني تابع للشبكة من قبل الشرطة الإسرائيلية في أكتوبر 2023.

هذه القيود، بحسب الشهادات، لم تكن مجرد إجراءات تنظيمية، بل تحولت إلى أدوات لتقييد السرد الإعلامي، بما يضمن عدم الإضرار بالرواية الإسرائيلية، وهو ما يعزز الاتهامات بانحياز مؤسسي يتجاوز الأخطاء الفردية.

التلاعب بالروايات وتجاهل التدقيق المهني

تكشف الوثائق أيضًا عن رفض محرري الموقع العربي مقترحًا مهنيًا قدمه سلطان لإعداد تقرير تحليلي زمني يفحص الروايات المتداولة حول أحداث 7 أكتوبر، خاصة المزاعم المتعلقة بقطع رؤوس أطفال واغتصاب نساء.

هذا الرفض، بحسب المشتكين، يعكس نهجًا ممنهجًا لتبني روايات غير موثقة دون إخضاعها للتدقيق الصحفي اللازم، وهو ما يشكل، وفقًا لهم، خرقًا واضحًا للمعايير التحريرية التي يفترض أن تلتزم بها مؤسسة ممولة من دافعي الضرائب.

تمييز ممنهج ضد الصحفيين العرب

القضية لا تقتصر على البعد التحريري، بل تمتد إلى اتهامات مباشرة بالتمييز العنصري داخل المؤسسة. إذ يؤكد خمسة صحفيين من أصول عربية أنهم تعرضوا للفصل التعسفي أو التضييق المهني بسبب اعتراضهم على ما وصفوه بممارسات غير عادلة داخل “بي بي سي عربي”.

ويشير هذا البعد إلى أزمة بنيوية تتعلق بثقافة المؤسسة، حيث يُنظر إلى الصحفيين العرب – وفق الشهادات – باعتبارهم أقل قدرة على الالتزام بـ”المعايير”، أو أكثر عرضة للاتهام بالتحيز، في مفارقة تعكس ازدواجية المعايير داخل غرفة الأخبار.

غياب الشفافية وتعطيل المساءلة

رغم تعهد الإدارة بفتح تحقيق داخلي في الانتهاكات، إلا أن الشهادات تؤكد عدم إعلان أي نتائج حتى بعد مرور أشهر، ما يثير تساؤلات حول جدية هذه التحقيقات، ومدى استقلاليتها.

كما رفضت ممثلة الدفاع عن “بي بي سي” الكشف عن سجلات جلسات الاستماع الداخلية، وهو ما اعتبره المشتكون محاولة لطمس الحقائق ومنع المحكمة والرأي العام من الاطلاع على تفاصيل ما جرى.

انعكاسات سياسية وإعلامية أوسع

تتجاوز تداعيات هذه القضية حدود المؤسسة الإعلامية، لتطال مجمل الخطاب الغربي حول الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. فالاتهامات الموجهة إلى “بي بي سي” تعزز انتقادات متزايدة بشأن انحياز وسائل الإعلام الغربية، وتواطئها في ترويج روايات تخدم الاحتلال على حساب الضحايا.

كما أن طرح القضية أمام القضاء البريطاني يمنحها بعدًا قانونيًا قد يفتح الباب أمام مساءلة أوسع للمؤسسات الإعلامية، خاصة تلك الممولة من المال العام، بشأن التزامها بالحياد والمهنية.

اختبار حقيقي لمصداقية الإعلام الغربي

في ظل هذه المعطيات، تبدو “بي بي سي” أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها، ليس فقط أمام المحكمة، بل أمام جمهورها العالمي. فإما أن تكشف الحقيقة وتخضع للمساءلة، أو تواصل سياسة الإنكار، بما قد يؤدي إلى تآكل ثقة الجمهور بها.

وفي كلتا الحالتين، فإن هذه القضية تمثل لحظة مفصلية، تعيد طرح السؤال الأهم: هل يمكن للإعلام الغربي أن يكون محايدًا في تغطيته لقضية فلسطين، أم أن الانحياز أصبح جزءًا من بنيته المؤسسية؟

اقرأ أيضا : تصعيد إقليمي خطير.. هجمات إيرانية متواصلة على دول الخليج واعتراض عشرات الصواريخ والمسيرات